م . عباس محمود يكتب : الصندوق الأسود (5) قصة 5 + 5

الصندوق الأسود (5) قصة 5 + 5
فى أواخر عام 2000 تعرفت على أحد فنانى مصر الكبار فى مقهى ريش المكان المفضل لإلتقاء مثقفى مصر وفى خلال شهور وبعد أن قام بزيارة مكتبى الواقع فى ميدان طلعت حرب عدة مرات فاتحنى أنه يريد مكاناً يصلح لمعرض للوحات الفنية ويستضيف فيه الكثير من الفنانين لعرض أعمالهم وشرح لى أن مبيعات الفنانين من لوحاتهم يتم استقطاع نسبة 20% لصالح المكان وأنه يرى فى المكتب مكاناً مناسباً لهذا المشروع وكعادتى فى حب الخوض فى أى تجربة تضيف إلى معلوماتى وافقته على الفور وبدأنا فى الدخول فى التفاصيل المادية وصرح لى فى ذلك الوقت بأنه لا يملك من الأموال للقيام بهذا المشروع فبادرت على الفور دون تفكير بأننى سأقوم بكافة التجهيزات من تعديل نظم الإضاءة لتتماشى مع نظم الإضاءة للمتاحف الفنية وهذا استدعى تغيير كامل للإضاءة فى المكتب حيث زاد عدد وحدات الإضاءة إلى خمسة أضعاف ما كان موجود وذلك بخلاف استخدام تقنية يمكن بها توجيه الضوء إلى مكان اللوحات المعروضة وبطبيعة الحال قمت بإخلاء كافة الغرف عدا غرفة واحدة وهى مكتبى لإستخدامه فى إدارة المشروع ومقابلة الضيوف وأخذنا نبحث عن اسم مناسب وبعد حوارات طويلة مع العديد من الأصدقاء تم التوافق على أن نسميه “5+5” وكانت دلالة هذا الأسم أن الخمسة الأولى هى أصابع اليد التى تقوم بالعمل الفنى سواء رسم أو تصوير أو نحت أو خزف … إلخ والخمسة الثانية ترمز إلى الفنون الخمس الأساسية وهى “الفن التشكيلى بأنواعه – الأدب – المسرح – الموسيقى – السينما” وكان العنوان “5+5 لوحة وكتاب” حيث تم الاتفاق على أن تعقد ندوة بعد كل افتتاح لمناقشة أحد الكتب التى تحظى بإهتمام الكثيرين.
وبدات الرحلة بمعرض الفنانة التلقائية “شلبية إبراهيم” والتى كانت تقيم فى سوريا مع زوجها “نذير نبعة” عميد كلية الفنون الجميلة بدمشق – ولقصة لقاءهما وزواجهما موضوع يحتاج إلى مقالة كاملة- وكان الافتتاح يوم 19 ديسمبر 2001 وكان من المفترض أن مدة المعرض خمسة عشر يوماً ولكن نظراً للإقبال الشديد تم تمديدها إلى خمسة عشر يوماً أخرى وتم بيع أكثر من نصف المعروضات وفى أثناء المعرض بدأت مناقشة بعض كتب الكاتب “بدر الديب” ومناقشة آراءه وكانت حلقات المناقشة تتسم بالحيوية والسخونة وتلى ذلك مناقشة كتابات الأستاذ الكبير “محمد عودة”.
واستمر هذا الوضع حيث قام العديد من الفنانين بعرض أعمالهم الفنية والكثير من الكتاب بمناقشة كتبهم وكنا نستضيف فنانين من ليبيا والسودان وبعض دول الخليج ومن أهم المعارض كان معرض للشباب وكانت شروطه أن لا يكون قد سبق اشتراكه فى أى معرض آخر ويكون من خريجى الكليات الفنية وفى هذا المعرض قام أكثر من عشرون شاب وفتاة بعرض أعمالهم والتى تشمل التصوير والرسم وأعمال الخزف والنحت وقد تفضل الفنان “فاروق حسنى” وزير الثقافة فى ذلك الوقت بزيارة المعرض وأعجب به جداً وسألنى إذا كنت أطلب شيئاً من الدعم وطلبت منه أن يتم اختيار بعض المعروضات على أن تقتنيها الوزارة تشجيعاً للشباب وبالفعل قام باختيار عدة قطع وانضمت إلى مقتنيات وزارة الثقافة.
ومرت الأيام وكان العبء المادى ثقيل حيث كنت أتحمل كافة التجهيزات وما يتطلبه العرض وحفلات الافتتاح إلى اليوم الذى ابلغنى فيه صديقى الفنان بأن هناك فنانة خليجية تدعى “فاطيما فخرو” ستأتى لعمل عرض وأرجو استضافتها والقيام بكل شيء لأنها لا تعرض لوحاتها للبيع ولكن للعرض فقط وكالعادة وافقت على ذلك بعد أن اقنعنى بأن ذلك سيكون دعاية جيدة لنا وفى الليلة الختامية دعونا الفنانة وزوجة صديقى الفنان وأثنان آخران من الأصدقاء على العشاء فى مقهى ريش وفى أثناء العشاء وجدت الفنانة وكانت تجلس أمامى تخاطب صديقى وشريكى فى الجاليرى وتقول له أنها ارسلت له باقى حساب المطبوعات التى طلبتها وكافة المستحقات وفوجئت به وقد تغيرت ملامحه ومحاولة التشويش على الموضوع ولما حاولت التحدث إليها قال لى “خلينا فى القاعدة وبلاش كلام فى الشغل دلوقتى” وأشرت إليها بأننى أود التحدث معها وبالفعل فى صباح اليوم التالى حضرت إلى مكتبى وتحدثت فى موضوع التمويل فأخبرتنى بأنها سددت إيجار المكان والكهرباء وكافة المصاريف وحتى ثمن كروت الدعوة الإضافية التى طلبت طباعتها ولما أخبرتها بأننى قمت بكل هذه المصاريف باعتبارها ضيفة على المكان هزت رأسها بأنها مصدقة لأنه كان يتحاشى أن أشركك فى هذه الأمور المالية وغادرت إلى بلادها.
وعند لقائي معه كنت قد اتخذت قرار بوقف هذه المهزلة بطريقة لائقة وبدون تجريح وعندما تقابلنا فى نفس اليوم وكان معه زوجته بدأت الكلام وسألته “كم من أماكن العرض تعتقد بوجودها فى القاهرة؟” فأجابنى “على الأقل هناك خمسون مكاناً .. الزمالك وحدها فيها 20 مكان ووسط البلد بها أكثر من 15 مكان وكذلك فى مصر الجديدة والمهندسين … إلخ” فبادرت بالسؤال “وكم عدد الفنانين فى مستواك؟” فأجابنى ” واحد أو اثنين” وقلت له “حرام أن يتوقف انتاجك الفنى بسبب هذا المشروع التجارى والذى يوجد مثله فى أكثر من مكان وأنا أرى أن تعود إلى مرسمك لتعطينا الكثير من الانتاج الفنى الذى يفتقده الكثيرون” وفوجئت بزوجته تتحمس كثيرا لما أقوله.
وبهذا توقف مشروع “5+5” وعدت اتفرغ لعملى ولا أنكر أننى فى تلك السنوات الثلاث اكتسبت خبرة جديدة تنضم إلى خبراتى السابقة بالإضافة إلى العلاقات والصداقات التى توطدت فى هذه الفترة.
وإلى لقاء أخر مع الصندوق الأسود … إن كان فى العمر بقية.
إقرأ المزيد
م . عباس محمود يكتب : الصندوق الأسود (1)
م . عباس محمود يكتب : الصندوق الأسود (2)

