مقالات ودراسات

م . عباس محمود يكتب : الصندوق الأسود (2)

الصندوق الأسود (2)

حيث أننا فى شهر أكتوبر خطر لى أن أواصل الحديث عن ذكريات ما شاهدته فى أيام الاستنزاف فى بداية عام 1969حيث كنا نعمل على الجبهة فى فترة ما يسمى بحرب الاستنزاف وكانت قواتنا المسلحة تمر بمرحلة التعافى من آثار ما أطلق عليه النكسة وفى هذه الأيام كان رجال القوات المسلحة يقومون بعمليات خلف خطوط العدو وغير معلن عنها وكأنما الأمور تمر فى سلام بينما الحقيقة لم يكن يمر أسبوع واحد إلا وتكون هناك عملية أو عمليتان وفى هذه العمليات كبدت قواتنا العدو خسائر فى المعدات والأفراد وكان فى موقعنا على الضفة الغربية من القناة فى منطقة الإسماعيلية أثنان من الضباط برتبة نقيب بالقوات الخاصة وهم زملاء من نفس الدفعة ونظراً لأنى كنت قريباً منهم فى السن فكنا فى بداية صداقة وتجمع بيننا الأحاديث عن الأمل فى المستقبل وما هى رؤيتنا للأيام القادمة وعندما يختفى أحد من هؤلاء الزملاء لمدة لا تتجاوز 48 ساعة ونسأله عند العودة كان يجيب بإبتسامة تحمل معنى الرضا والفرح “كان عندى مأمورية لتحية الضيوف الأراذل” كنت أفهم أنه كان فى مهمة على الجانب الآخر لتقديم واجب التحية لهم وكان هذا الموضوع يتكرر بصفة مستمرة وقد يحدث مرة أو مرتين كل شهر، وبعد فترة – قد تكون سبعة أو ثمانية أشهر – كنت أسأل أحد الصديقين عن صديقه الآخر حيث أننى لم أشاهده من فترة طويلة فأجابنى وعيونه تمتليء بالدموع وقد اكتسى وجهه بعلامات الحزن لقد كان فى مأمورية ولم يعد حتى الآن ولا ندرى إن كان قد استشهد أو وقع فى الأسر ورغم صدمة الخبر إلا أننا كنا نتوقع مثل هذه الأشياء وكان هذا هو الثمن الذى يجب علينا جميعاً أن نقوم به لرد الإعتداء على الوطن.

وتمر الأيام وأتنقل إلى أماكن مختلفة على طول الجبهة حيث كانت الأعمال تمتد من منطقة فايد بالقرب من الإسماعيلية إلى مناطق عديدة على طول الجبهة ومنها مناطق الغردقة – فايد – الزعفرانة وكافة المناطق على الجبهة وفى هذه الفترة التقيت بالعديد من أبطالنا بدءاً من الشباب المجندين وحتى أصحاب الرتب الكبيرة وكانت لقاءتنا تتميز بالأوقات القليلة المتاحة بتبادل الأخبار الشخصية والعائلية وما يحدث على خطوط الجبهة بقدر المتاح من المعلومات وبالرغم من مرور أكثر من ثلاث سنوات على واقعة إختفاء الصديق الذى ذكرته فى أول كلامى والذى أُعتبر شهيد حيث لم تظهر أى بادرة بأنه قد وقع أسير إلا أن خياله وصورته لم تبارح ذاكرتى.

وتمر أيام كثيرة وأشهر وسنوات ويحدث العبور العظيم فى أكتوبر 1973 وبعد ذلك تركت العمل بالقطاع العام بعد أن اقتنعت بأننى قمت بواجبى فى فترة الاستنزاف حتى العبور وبدأت عملى الخاص ولم تكن ذكريات أيام الاستنزاف تفارقنى فهى من أجمل الأيام والتى ألتقيت بها بنوعيات مختلفة من أقصى الصعيد إلى قلب الدلتا ومن مناطق القناة وحتى من الواحات وبلاد النوبة ومختلف المستويات من التعليم ومن كافة الديانات سواء مسلمين أو مسيحين بكافة طوائفهم وكان الأمر الذى يجمع كل هذه الفئات والطوائف شيء واحد أسمه “مصر” والتى لا يبخل أى أنسان من مواطنيها على اختلاف مشاربهم من حبها وتقديم الغالى والثمين فى سبيل الدفاع عنها.

وكانت صورة نقيب القوات الخاصة الذى التقيت به لا تزال تخايلنى من وقت لآخر وذات يوم من عام 1980 وأثناء سيرى فى منطقة وسط البلد وجدت أحد ينادى على فألتفت وأنا أحاول أن أجمع شتات ذهنى فهذا الوجه ليس بغريب على فإذا به يقول لى “أنت مش فاكرنى” أنا فلان – النقيب على الجبهة فى ذلك الوقت عندما ألتقينا – ولم أستطع إلا أن أخذه بالأحضان وتحدثنا قليلاً وتبادلنا أرقام التليفونات والعناوين وسألته “فيه أخبار عن زميلك الذى كان معنا فى هذه الأيام” فأبتسم ضاحكاً وقال لى “أعصابك جامدة .. تماسك وأسمع ما سأقول” وكان ملخص القصة أن هذا الزميل عندما عبر إلى الضفة الشرقية وبعد أداء مهمته التى كان مكلف بها وعند عودته فوجيء بالصهاينة يقطعون عليه طريق العودة وكان بمفرده وتوغل داخل الصحراء حيث فوجيء بمجموعة من بدو سيناء يحيطون به ثم انتقلوا به إلى مكان خيامهم وهناك تعرف عليهم ووجد أنهم على تواصل مع رجالنا وينقلون إليهم أخبار الصهاينة حيث يقومون بتوريد بعض المستلزمات إلى الجيش الصهيونى ومن خلال هذا العمل يقومون بنقل الأخبار إلى المسئولين المصريين والعمل الذى يقومون به يسمح لهم بدخول المواقع العسكرية للصهاينة ونقل الأخبار إلينا وبعد عدة أيام من هذا الحادث طلبت القيادة أن يظل مع البدو ويندمج معهم ويقدم لهم خبراته فى جمع المعلومات وإبلاغها لقيادتنا المصرية فى الضفة الغربية وظل على هذا العمل حتى تم العبور وعاد إلى قواعده وحصل على ترقياته ولم يتم الإعلان عن هذا الموضوع حتى عام 1975 وعندما طلبت منه أن آراه أخبرنى أنه فى بعثة للقوات المسلحة للحصول على دورات تدريبية قد تمتد إلى أكثر من سنة.

وأنا لا أذكر هنا الأسماء نظراً لحساسية الموقف حيث أنها لا تزال من الأسرار العسكرية.

وهكذا أصبح صديقى هو الشهيد الحى.

وإلى لقاء قريب مع الكثير من طلاسم الصندوق الأسود … إن كان فى العمر بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »