م . عباس محمود يكتب : الصندوق الأسود (1)

الصندوق الأسود هو جهاز يكون داخل الطائرات بكافة أنواعها سواء مدنية أو عسكرية وهذا الجهاز يسجل كافة البيانات الخاصة بالطائرة والمحادثات التى تتم مع طاقم تشغيل الطائرة كما يسجل أى تقصير فى أداء أجهزة الطائرة سواء محركات أو أجهزة الإقلاع والهبوط … إلخ والصندوق الأسود تسمية لأنه يحمل كافة البيانات التى لا يمكن الإطلاع عليها إلا فى حالة حدوث حادث للطائرة وبالمناسبة فإن هذا الجهاز لونه الحقيقى هو أصفر فسفورى حتى يتم العثور عليه بسهولة وهو مضاد للحريق أو الأنفجار أو الكسر.
وفى السطور القادمة سوف أعود بذاكرتى إلى الوراء لإخراج كافة الأحداث التى مرت بى منذ الطفولة وحتى يومنا هذا وهو سرد قد يعطى فكرة عن أشياء مرت بنا وكانت معروفة بداية من تشكيل الوعى والذاكرة والتى أحمد الله إلى وجودها إلى حد كبير وأنا فى هذا السن المتقدم.
وسأبدأ هذه الذكريات بتوضيح معلومة عن السيد اللواء “باقى زكى يوسف” صاحب فكرة استخدام ضغط المياه لتحطيم خط بارليف وذلك بمناسبة مرور ثلاثة وخمسون عاماً على ذكرى العبور وتحطيم خط بارليف.
والقصة تبدأ عندما كنت فى أسوان أعمل فى إحدى شركات القطاع العام فى أعمال تخص المجهود الحربى فى ذلك الوقت فى أواخر عام 1969 وكان يحضر إلينا من القاهرة بعض السادة مهندسي ضباط القوات المسلحة لمتابعة العمل ومدى التقدم فيه كإجراء روتينى للتفتيش وفى هذه الفترة حضر ضابط شاب برتبة مقدم أو عقيد – لا أذكر تماماً – وبعد أن قام بزيارة الموقع واجتمع مع الضباط المسئولين عن التنفيذ وأعطى ملاحظاته وتوجيهاته قمنا كشركة بعمل جولة سياحية له فى المناطق السياحية باسوان وفى ذلك الوقت كانت تجرى أعمال التجهيز لنقل “معبد فيلة” الغارق فى بحيرة السد وكان ذلك يتم بعمل سور حديد مزدوج حول المعبد وملء الفراغ بين نطاقى السور برمل يتم إحضاره عن طريق الصنادل البحرية ثم تفريغ الرمـال يدويـاً داخل هذا الفـراغ وكانت تلك العملية عقيمة ومكلفة جداً حيث لا يصل إلى الهدف – أى الفراغ بين النطاقين – أكثر من 10% من الرمال المنقولة واقترح أحد مهندسى الشركة المنفذة للمشروع وهى إحدى شركات القطاع العام أيضاً بأن يتم تجريف الرمال بالمياه داخل مواسير كبيرة تنقل الرمال المدفوعة بقوة المياه حيث تصب فى المكان المطلوب، وعندما ذهبنا لزيارة الموقع فوجئت بالضيف الذى حضر للتفتيش يطلب منى الذهاب إلى مكان الإقامة لعمل بعض الإتصالات وعاد بعدها يخبرنى بأنه سيمد إقامته لمدة 3 أيام على أن يتواجد فى موقع عملية الإنقاذ يومياً من الصباح وحتى إنتهاء العمل وبالطبع لم أكن أجد أى مغزى لهذا الطلب سوى أنه قد يكون شغوف بآثار قدماء المصريين.
وبعد إنتهاء العبور والكشف عن موضوع خراطيم المياه التى حطمت الساتر الترابي لخط بارليف أخذت أحاول الربط بين ما حدث فى تحطيم ساتر الرمال بخط بارليف وما كان يحدث فى إنقاذ “معبد فيلة” وما حدث فى ذلك الوقت وكنت شغوف إلى حد كبير لأن أعرف تلك الشخصية التى استطاعت الربط بين ما حدث فى أسوان وبين احتياجات أو حل مشكلة ساتر الرمال بخط بارليف بذكاء وبعد نظر يستحقان كل التقدير … وهكذا رجال مصر المخلصين وبعد أن نشرت الحقائق كنت أتمنى أن أتواصل مع اللواء “باقى زكى” لا لشيء إلا لأعبر له عن تقديرى وامتنانى لهذه العقلية الفذة والتى استطاعت الربط بين الأشياء والتى قدمت للوطن الكثير دون انتظار أى مقابل.
وهذه واحدة تبين كيف كان الوطن يمثل لجميع الأفراد المقيمين تحت سماءه شيئاً عزيزاً لأنهم حصلوا منه فى هذه الأيام على مستوى راقى من التعليم والخدمات الصحية والعدالة الاجتماعية.
رحم الله المقاتل اللواء “باقى زكى يوسف” ولعل سيرته تكون نبراس مضيء للأجيال القادمة.
ومثله كثير ممن قدموا للوطن – خاصة خلال حرب أكتوبر – من الخدمات مثل “محمد عبد العاطى” صائد الدبابات الذى تمنى قائد كتيبة الدبابات الإسرائيلية فى ذلك الوقت “عساف ياجورى” أن يلقاه ليقدم له التحية العسكرية.
وهناك المزيد مما لا يمكن إحصاءه من البطولات والأشخاص الذين قدموا حياتهم للوطن دون انتظار لأى مقابل مادى أو معنوى.
وإلى لقاء قريب مع الصندوق الأسود ليقدم لكم المزيد من محتوياته … إن كان فى العمر بقية.



