مقالات ودراسات

م . عباس محمود يكتب : الصندوق الأسود (3) المطبات المقصودة

ونواصل استخراج خبايا الصندوق الأسود فى الأحداث الخاصة بحرب الاستنزاف حيث كنا نعمل فى إنشاء طريق دائرى فى قاعدة أسوان الجوية وهذا الطريق يخصص للطيارين المقاتلين عند استدعائهم للقيام بالطيران أو لأداء أى مهام تسند إليهم حيث أن هذا الطريق يمر حول ممرات الطيران وتتحرك فيه السيارات لنقل الطيارين من أماكن تواجدهم على مدار 24 ساعة لتوصيلهم إلى أماكن الطائرات. وكان العمل كالمعتاد يجرى على قدم وساق حتى نتمكن من الإنجاز فى الوقت المطلوب وفى إحدى الأيام فوجئت بأحد العاملين المدنيين فى المطار يسأل عنى بصفتى المهندس المسئول عن هذه العملية ولما التقيت به أبلغنى بأن السيد قائد القاعدة يطلب لقائى لبعض الأمور المتعلقة بالعمل وركبنا السيارة الجيب الروسى للتحرك بإتجاه

مكتب القائد وكان يقع فى نهاية الطريق الجارى العمل فيه وبطبيعة الحال فإن الطريق كان غير ممهد والسيارة ترتفع وتهبط وتحدث رجرجة بطريقة مزعجة وبدأ مرسال القائد يتحدث إلى بلهجة العارف وينتقد تأخيرنا فى التنفيذ وكيف يجب أن نكون على قدر المسئولية الملقاة علينا وأتضح لى من كلامه ومن مناقشتى معه أنه أحد العاملين المدنيين فى المطار ويعمل فى وظيفة كتابية لا علاقة لها بالطيران أو أى موضوع فنى مما استفز رغبتى لتحويل المسار إلى فكاهة ترطب أجواء التوتر التى نعيشها يومياً وبعد أن استمعت إليه بكثير من الصبر الذى يفوق صبر سيدنا أيوب قلت له وأنا ارتدى قناع الجدية والاهتمام

“سأطلعك على سر أرجو عدم البوح به لأى شخص أي مـا كان” وهنـا صمت تمامـاً واتسعت عيناه وتفتحت أذنيه لتلقى السر الخطير – وكان يوجد بمطار أسوان موقع للخبراء الروس لمعاونة قواتنا المسلحة فى النواحى الفنية للتدريب على الأسلحة الحديثة – فأكملت حديثى له مؤكداً بأن لا يبوح بهذا السر لأى أحد فأجابنى بأنه لن يطلع أى كائن ما كان عما سأقوله له فقلت له أن هذه هى تعليمات الخبراء الروس فنظر لى والدهشة تملأ كيانه كيف هذا وكيف يعطون تعليمات بأن يكون الطريق غير ممهد فقلت له وأنا أتظاهر بالجدية الكاملة وبصوت خفيض لإيصال أهمية ما سأقوله ومدى سريته قلت “أنت تعلم أن هذا الطريق لإحضار الطيارين من استراحاتهم للوصول إلى الطائرات فإذا سارت السيارات على طريق ممهد وناعم يخشى عليهم من أن يغلبهم النوم ولذلك يفضل أن يكون الطريق بهذه الصورة حتى يفيقوا وينتبهوا إلى أن يصلون إلى أماكن طائراتهم .. نظر إلى بدهشة فاغراً فاه ثم عقب “يا سلاااااااااام .. الناس دى بتفكر فى كل تفصيلة مهما كانت صغيرة” فنظرت إليه قائلاً “ولا كأنك سمعت حاجة” وأكد لى بهزة رأسه “طبعاً”.

التقيت بقائد القاعدة وكان يسأل عن البرنامج الزمنى وموعد الإنتهاء من الأعمال وبعض الموضوعات الأخرى وعدت إلى عملى وتعمدت فى الأيام التالية لهذا الموقف الإختفاء من الموقع فى أسوان حيث كانت هناك أعمال كثيرة فى مواقع مختلفة وعندما عدت إلى مطار أسوان ابلغنى الزملاء أن قائد المطار سأل عنى أكثر من مرة حيث أنه لم يكن فى ذلك الوقت وسيلة اتصال سوى التليفونات الأرضية وذهبت إلى القائد وأنا أكاد أجزم بأنه قد علم بموضوع تعمد المطبات فى الطريق وعندما دخلت إليه فى مكتبه وكان يحاول أن يرسم على وجهه الجدية والغضب ولكنه لم يستطع أن يخفى الضحكة التى كانت تملأ وجهه وقال لى “مش حرام عليك تضحك على الراجل الغلبان ده” فضحكت وأنا أقول “الراجل الغلبان ده كان جاى يعطينى درساً فى إنجاز العمل وأننا متباطئون ولا نشعر بالمسئولية الملقاة علينا ولم أجد وسيلة لإسكاته سوى اقناعه بهذه القصة وكما ترى سيادتكم فأنه لم يحافظ على السر” .. وأصبحت هذه القصة هى موضوع الساعة لمعظم العاملين فى المطار يتندرون ويضحكون منها.

كانت أيام رغم صعوبتها وامتداد العمل فى بعض الأوقات لمدة 24 ساعة متواصلة كنا نعيش التوتر خلال هذه الساعات ولكن فى ظل كل هذا كلما سنحت الفرصة لخلق أى موقف يشيع الضحك أو البهجة نسعى لاستغلاله دون أى تردد وكان الحب يجمعنا بداية من قائد القاعدة العسكرية إلى أصغر العاملين سواء عسكرى أو مدنى وكان هذا الرجل – قائد القاعدة – يمثل لنا جميعاً الأب الذى يربي أبنائه ويعلمهم الواجب فى صرامة وشدة لكن بدون أن يقسو علينا وكنا جميعاً نشعر به كأب ومعلم على كافة المستويات.

وهذه القصة تحكى عن جزء من مخزون الصندوق الأسود … ولنا لقاء آخر إن كان فى العمر بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »