م . عباس محمود يكتب : الصندوق الأسود (4) الحمامات الشعبية

سننتقل هذا الأسبوع إلى موقع آخر من الصندوق الأسود عن ظاهرة بدأت تظهر فى مصر وتنتشر بها فى القاهرة ثم الإسكندرية وبعض عواصم المحافظات وهى ظاهرة ما أطلق عليه الحمامات الشعبية وكانت هذه الحمامات تقوم بعدة وظائف وحتى يستوعب الجيل الجديد الذى لم يشاهد أو يعاصر استخدام هذه الحمامات نبدأ بوصف المكان الذى تقام فيه الحمامات.
كان المكان يحتوى على مكان يطلق عليه “المستوقد” من كلمة وقود وهذا المكان مخصص لتسوية الفول والبليلة وهما المادتان اللتان كانتا يستخدمهما الشعب المصرى كأساس لوجبة الإفطار يقوم جامعى القمامة من الأسواق والمنازل والمحلات بإفراغ ما يجمعونه فى المستوقد الذى يشعل القمامة حيث تقوم الطاقة الحرارية بتسوية قدور “جمع كلمة قدرة” الفول والبليلة وفى نفس الوقت يقوم بعملية تسخين المياه اللازمة للإستحمام فى الحمامات وبطبيعة الحال كانت مواد القمامة بكافة أشكالها تحتوى على مواد طبيعية مثل فضلات الخضار والفواكه وبقايا الأقمشة القديمة المصنوعة من الصوف أو القطن أو الحرير أو الكتان وأيضاً الخشب الذى هو فى الأصل ناتج الأشجار وكان هذا شيء هام لمعرفة الدور الكبير الذى كانت تلعبه الحمامات الشعبية .. أولاً كان يساهم فى نظافة المنازل والمحلات التجارية والشوارع من القمامة بكافة أنواعها، ثانياً نظافة البشر بإستخدام هذه الحمامات، ثالثاً وهو ما لا يعرفه الكثيرون أن الرماد الناتج عن حرق كل هذه المخلفات كان يستخدم بعد إضافة بودرة الحجر الجيرى إليه وبعض الإضافات البسيطة مثل قش الأرز وقش القمح كمادة بناء قبل ظهور الأسمنت يطلق عليها “قسروميل” وهى التى استخدمت من مئات السنين وقبل ظهور الأسمنت فى بناء المساجد والكنائس والقصور والمنازل وكافة أشكال البناء التى تمت حتى بعد عام 1914 وهو تاريخ دخول الأسمنت إلى مصر لإستخدامه فى تحصينات الجيش الإنجليزى أثناء الحرب العالمية الأولى.
هذه المقدمة والتى اعتقد أهميتها لتوضيح الأدوار الهامة التى كان يقوم بها الحمام الشعبى وإذا تكلمنا عن الحمام نفسه فهو بناء يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية .. الجزء الأول هو المدخل والذى يؤدى إلى صالة كبيرة يمكن أن يطلق عليها “الاستقبال” وهى صالة كبيرة محاطة بمجموعة أرائك خشبية عليها إما أكلمة من القماش أو وسائد لراحة الجالسين ويجلس فى أحد الأركان المسئول عن إدارة الحمام وكانت الوردية تنقسم إلى ساعات خاصة للرجال تبدأ من حوالى الرابعة بعد الظهر وحتى السادسة صباحاً وبعد ذلك يكون الحمام بالكامل مخصص للسيدات من الساعة السابعة صباحاً حتى الرابعة بعد الظهر، ثم نجد ممر طويل على جانبيه مجموعة غرف مفروشة بأسرة للنوم وملحق بها أماكن لحفظ الملابس لحين الإنتهاء من الحمام ويطلق عليها “منطقة الخلوة” ويسلم لكل عميل سواء كان رجلاً أو سيدة عدد (2) بشكير كبير لإستخدامهم فى تغطية الجسم أثناء الدخول أو الخروج وفى أخر هذا الممر يوجد باب يؤدى إلى منطقة الاستحمام حيث تملأ أبخرة المياه الساخنة الأجواء والحمام نفسه به قاعة مستديرة تتوسطها مائدة كبيرة من الرخام الأبيض وفى وسطها نافورة مياه للإستخدام وهذه المائدة معدة لكى يستلقى عليها المستخدم لإتمام عملية التكيس أو التكبيس بالنسبة للرجال وبالنسبة للسيدات هناك المشطة والبلانة – وسنشرح ذلك بعد سطور قليلة – وفى جوانب هذه القاعة توجد غرف بكل منها حوض بعمق 1.50م تقريباً وأبعاده حوالى 2×2م ويطلق عليه اسم “المغطس” وتتراوح درجة حرارة المياه ما بين 40 درجة مئوية وهو المغطس البارد و70 درجة مئوية وهو ما يقوم بعملية حمام البخار وكل فرد من المستخدمين يذهب إلى المكان الملاءم له طبقاً لتوجيهات المشرفين على هذا الحمام وكافة هذه المنشآت مغطاة بقباب تتخللها فتحات زجاجية صغيرة لإدخال بعض الضوء.
وقد عاصرت – الحمد لله على قوة الذاكرة – هذه الحمامات حيث كنت أذهب مع أمى وكانت تلك تجربة ما زلت أذكر تفاصيلها حتى الآن حيث تجتمع السيدات ويبدأن فى طقوس الاستحمام وكانت هذه الطقوس تبدأ بغسيل الجسم بالكامل بالمياه الدافئة واستخدام الصابون المتاح ثم تتوجه كل واحدة طبقاً لما تريده فهناك من ترغب فى إزالة الشعر الزائد فى الجسم بدءاً من الوجه وحتى الساق وتلك العملية تقوم بها المشطة وأخرى ترغب فى علاج آلام البرد فى جسمها بإستخدام ما يطلق عليه كاسات الهواء والتى تستخدم حتى الآن فى بعض الأماكن لإزالة الرطوبة من الجسم وتقوم بهذه العملية البلانة والكثيرات يلجئن إلى عملية التكيس والتى تلى حمام البخار حيث يقوم البخار بتفتيح مسام الجسم فيخرج العرق محملاً بآثار الأتربة الموجودة على الجسم وتقوم المكلفة بعملية التكيس بإستخدام قماش خشن تدلك به كافة أماكن الجسم لإزالة هذه البقايا من الجسم وبعد ذلك يتم الاستحمام مرة ثانية بالمياه لإزالة أى آثار ثم تقوم المستخدمة بالإستلقاء مرة أخرى على المائدة المستديرة لبدء عملية التكبيس وهو ما يسمى حالياً بالتدليك حيث تقوم سيدة أخرى مختصة بهذا العمل بتدليك كافة أجزاء الجسم من الرقبة والأكتاف وصولاً إلى الأقدام وأصابع القدم.
وبعد مرور حوالى سنتين صدرت الأوامر إلى أمى من زميلات الحمام أنه حان الوقت لعدم اصطحابى معها وكنت قد بلغت الخامسة من العمر وانتقلت إلى أخوالى حيث كانوا يواظبون على الذهاب إلى الحمام فى مواعيد الرجال ولم تكن الطقوس تختلف كثيراً بين حمام الرجال وحمام السيدات ولكن الاختلاف الكبير كان فى أن حمام السيدات كان يمتليء بالضحكات والتعليقات على كافة أجزاء الجسم والقصص المروية والتى لا يستطعن البوح بها خارج الحمام أما بالنسبة لحمام الرجال فكان الحديث يبدو أكثر وقار حيث يتحدث الجميع فى أحوال العمل والأحوال العامة أو فى بعض المسائل المتعلقة بالصناعة أو التجارة ونادراً ما كان الحديث يتخلله بعض الفكاهات الخفيفة وبعد إنتهاء فترة الحمام للجنسين كان كل مستحم يتم تغطيته بالبشاكير “فوط الاستحمام الكبيرة” ثم ينتقل إلى ما يسمى بمنطقة الخلوة حيث يجلس كل مستحم أو مستحمة لمدة لا تقل عن نصف ساعة حتى يهدأ الجسم ويكون مستعداً للخروج إلى الجو الطبيعى وفى هذه الفترة يتم تناول بعض المشروبات الدافئة لتعويض كمية العرق التى فقدونها أثناء عملية الاستحمام ثم بعد ذلك يرتدون ملابسهم والخروج من الحمام بعد دفع الحساب الذى كان لا يتجاوز عدة قروش قليلة أقصاها عشرون قرشاً شاملة كافة الخدمات والمشروبات.
وهكذا نجد أن الحمام كان يقوم بأدوار كثيرة منها نظافة الشوارع والمنازل والمحلات بجمع المخلفات منها وإحراقها وهو ينظف الأماكن كما ينظف البشر بالإضافة إلى تسوية الوجبة الرئيسية لسكان هذه المناطق التى يوجد بها الحمام وما حولها علاوة عن الدور الهام فى توفير أهم مادة لإقامة المبانى الحجرية بأنواعها وإذا حاولت الخوض فى كل تفصيلة فسنحتاج إلى صفحات كثيرة ويمكن لأى أحد مهتم بأى تفصيلة تخص هذا الموضوع البحث عنها فى المراجع المتوفرة.
وهناك بعض الأمثال الشعبية التى ارتبطت بالحمامات الشعبية فمثلاً عندما نصف أى شخص بتعدد مواهبه نقول أنه “مشطة وبلانة” هناك أيضاً مثل شهير “إللى اختشوا ماتوا” وهو يعبر عن السيدات عندما اشتعلت النيران فى إحدى الحمامات ورفضن الخروج خشية أن يراهم الناس عرايا فماتوا بالحريق داخل الحمام.
تحياتى لكم وإلى لقاء فى جزء أخر من الصندوق الأسود … إن كان فى العمر بقية.
إقرأ المزيد
م . عباس محمود يكتب : الصندوق الأسود (1)

