مقالات ودراسات

م . عباس محمود يكتب : نظرة إلى الخلف ودروس من الحياة

نظرة إلى الخلف ودروس من الحياة

منذ أيام قليلة أتممت عامى الواحد والثمانون وبدأت رحلة الثانية والثمانون وقررت أن أنظر إلى الخلف لعمل تقييم لما مضى من هذه الرحلة الطويلة بما فيها من نجاحات واخفاقات لعل البعض مما مر عبر هذه السنوات الطويلة يكون عبرة للقارئ خاصة الأجيال الجديدة التى يمكن أن تجد فى النجاحات ما يضيء لها الطريق ومن الإخفاقات ما يجعلها تتعلم إلى حد ما تجنب تلك الأسباب التى أدت إلى عدم النجاح وأنا لا ادعى فى هذه السطور أننى كنت أملك من الحكمة والمعرفة الكثير ولكن ادعى وأنا على يقين أننى نشأت فى ظروف تختلف كثيراً عن الظروف الحالية من كافة النواحى.

ولو بدأنا بالحديث عن منظومة التعليم فى الخمسينات والستينات أجد أن دور المدرس والأستاذ والمعلم فى كافة المراحل من التعليم الإبتدائى حتى التعليم الجامعى كان رسالة يقوم بها هؤلاء المعلمين ضمن منظومة كاملة الهدف منها ليس تعليم لما جاء فى الكتب المقررة ولكن كان بجانب ذلك وهو الأهم تعليم الطلاب أسس ومبادئ الحياة بكافة توجهاتها فقد كان الاحترام المتبادل بين الأستاذ والمتلقى يكاد يكون دستوراً يسير عليه الجميع وهذا الاحترام كان نتيجة أن من يتولى العملية التعليمية على يقين أنها رسالة وأن العلم والمعرفة ليست تجارة مما يرسخ فى وجدان المتلقى الاحترام الكامل لأصحاب الفضل ويثمن قيمة المعلومة التى يتلقاها دون إخلال بقيمة العلم كما يجب أن تكون.

أما إذا توجهنا إلى الناحية الاجتماعية فقد كان لإحترام الجار فى السكن أو فى المنطقة أو فى زمالة العمل قدراً كبيراً من التواصل الاجتماعى والذى يوضح الروابط الشديدة التى تقوم على أساسها العلاقة بين الجيران فعلى سبيل المثال لم يكن مسموحاً أن يتعرض أحد الجيران لوعكة صحية إلا وأن يقوم باقى الجيران بمراعاة هذا الجار وعدم إحداث أى ضجيج أو ضوضاء حفاظاً على راحة المريض كما كان مبدأ التكافل الاجتماعى يسرى بين الجيران والذى يصل إلى جيرة الشارع أى السكان المتواجدين بنفس الشارع فلو تعرض أحد هؤلاء لأى ضائقة سواء كانت مالية أو احتياج مساندة بأى صورة من الصور يبادر الجميع بتقديم يد العون والمساعدة وكان هؤلاء الجيران يعتبرون هذا من صميم واجباتهم التى يجب مراعاتها، وهناك مثال آخر وهو عند حدوث حالة وفاة فى منزل أحد الجيران فقد كان باقى الجيران يحترمون حالة الحداد ولا يُستخدم المذياع أو أى وسيلة تقوم بإذاعة أغانى أو أفلام أو ما شابه وكان هذا الحظر يمتد إلى الأطفال.

وفى الحياة العملية التى بدأتها بعد تخرجى مباشرة عندما كنت مهندس مبتدئ وأعمل على الجبهة وكان رؤسائى المباشرين رحمهم الله “المهندس رمسيس ويصا – المهندس رؤوف غبريال – المهندس ثروت يوسف صقر” لم أشعر ولو للحظة واحدة أنهم رؤساء عمل ولكن كان شعورى أنهم أخوة كبار أو أباء فقد كانوا يأخذون بيدى فى هدوء ودون اشعار أى أحد عندما يكون هناك موقف فى حاجة إلى توبيخ كان التوبيخ يتم فى حجرة مغلقة ولا يطلع عليه أحد فتعلمت منهم الكثير من كيفية معاملة العمال البسطاء بآدمية واحترام مشاعرهم والعمل بمبدأ “أعطى الأجير حقه قبل أن يجف عرقه” وأما الدروس التى لن أنساها والتى تركت أثراً واضحاً فى حياتى فقد كان مصدرها الأساسى من رجال القوات المسلحة المصرية الذين كانوا يعملون فى صمت حولنا ويضربون مثالاً واضحاً بأن هذا الجيش هو جيش الشعب وجزء لا يتجزأ من تركيبة الشعب المصرى وكان ذلك واضحاً فى اسراعهم للحاق بأى مأمورية محفوفة بالمخاطر ليكون لهم شرف المساهمة فى هذه المأمورية – ولهذا حديث قد يطول –

وإذا تحدثنا عن منظومة الصحة والأطباء فى فترة الستينات فقد كان هناك الكثير من الأطباء يمتلكون أكثر من عيادة واحدة منها فيما يطلق عليه المناطق الراقية وتكون قيمة الكشف فيها تصل إلى عشرة أضعاف من قيمة الكشف فى العيادة الأخرى التى تقع فى أحدى المناطق الشعبية وهو نفس الطبيب والذى يعطى نفس الاهتمام لهؤلاء المرضى وفى كثير من الأحيان يرسل لإحضار الدواء اللازم إذا استشف أن المريض لن يكون قادراً على شراء الدواء أما عن المستشفيات العامة فقد كانت الخدمة المقدمة للمواطنين لا تقل عن مستوى المستشفيات الخاصة والتى لم تكن تنتشر بهذا الشكل والتى كانت تقدم خدماتها بأسعار فى متناول الطبقة المتوسطة وبدون استغلال أو محاولة إبتزاز جيوب المرضى.

هذه المسيرة التى ادعى أن الوعى بالنسبة لى بدأ من سن الخامسة أى أنها استمرت لمدة ستة وسبعون عاماً والتى يحضرنى منها الكثير مما يجعلنى ألتفت إلى الوراء وكلى رغبة فى محاولة إعادة عقارب الساعة خاصة بالنسبة للأجيال الحديثة التى لم تبلغ سن الأربعين والذين نشأوا على مبادئ تختلف تماماً عن كل القيم الإنسانية بما فى ذلك قيم المجتمع الغربى.

أدعو الله أن يعطينى قليل من العمر حتى أرى هذه الأمنيات تتحقق وبعدها يحق للمقاتل أن يستريح وإن كنت قد تجاهلت ذكر الصدامات السياسية – وهى لم تكن كثيرة – والتى لم تسفر عن آثار سلبية فى داخلى حيث كان من حسن الحظ أن فى هذه المرات القليلة كنت أواجه من جهات الأمن أفراد يتميزون بالحكمة والتمييز بين من يسعى للدمار ومن ينشر الإصلاح.

هذه شهادة يعلم الله كم فيها من الصدق والشفافية ولا أبغى منها إلا مصر والتى تسكن بداخلى منذ نعومة أظافرى وحتى وصلت إلى أرزل العمر كما يقولون.

وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

إقرأ المزيد

م . عباس محمود يكتب : المهندس حسن فهمى ودراسات الجدوى بلا جدوى

م . عباس محمود يكتب : شخصيات تركت بصمة فى حياتى ـ اللواء مجدى عبد الملك ميخائيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »