م . عباس محمود يكتب : المهندس حسن فهمى ودراسات الجدوى بلا جدوى

المهندس حسن فهمى ودراسات الجدوى بلا جدوى
نتحدث اليوم عن أحد الأساتذة الكبار متعددى المواهب رغم عدم وجود علاقة مباشرة بينى وبينه ورغم وجود الكثير من الخيوط التى تجمع بيننا روحياً وفكرياً وهو الأستاذ المهندس حسن فهمى والذى كان يشغل منصب أستاذ ورئيس قسم هندسة الإنتاج بكلية الهندسة جامعة القاهرة وكان يشغل هذا المنصب دون الحصول على درجة الدكتوراه فى زمن كانت المناصب تبحث عن القدرات الذاتية للشخص وأفكاره دون التقيد بشهادات معينة.
كانت سيرة المهندس حسن فهمى الذى كان الكثير من الطلاب يتحدثون عنه كظاهرة علمية تتمتع بحس فنى مرهف وهو يعتبر الأب الروحى لفرقة رضا للفنون الشعبية وكانت أبنته الفنانة فريدة فهمى من أبرز الراقصين فى هذه الفرقة ولذلك حديث آخر.. وكنت أتسلل فى مرات عديدة لأستمع إليه وهو يلقى محاضراته فى مادته العلمية “هندسة الإنتاج” وكان يتكلم كشاعر أو كأديب محترف عاشق للهندسة وكان يحس الطلاب ويتشدد على مبدأ الفهم ولا يرضى بالحفظ المجرد من الفهم واستمعت إليه أكثر من مرة وهو يؤكد على أن دراسات الجدوى هى الأساس إذا تم إجراءها بحرفية كبيرة وأخذت ما تستحقه من وقت للحصول على كل تفصيلة صغيرة حول المشروع ومن مأثوراته “أن قضاء شهور فى إعداد دراسة جدوى جيدة يوفر سنوات فى مرحلة التنفيذ” وكانت تلك قاعدته الذهبية التى يستند عليها فى شرح أعماله وتلك كانت فى فترة الستينات قبل انتقاله للعمل كعميد لمعهد السينما بجانب عمله كأستاذ زائر فى كلية الهندسة ومن الأشياء اللافتة فى شخصية هذا الرجل العظيم أنه كان يتعامل مع هندسة الإنتاج بروح وأسلوب الفنان ويتعامل مع الفن بكافة نواحيه بأسلوب المهندس حيث تكون لكل خطوة سواء فى المسرح أو السينما حسابات دقيقة فيخرج العمل الفنى مشمولاً بالحركة الهندسية المدروسة.
وفى هذه الكلمة البسيطة أرجو أن أتمكن – رغم مرور أكثر من نصف قرن على متابعة محاضراته – من أنقل صورة أقرب إلى الحقيقة لوجهة نظر هذا المهندس الفنان رحمه الله.
كانت البساطة فى الشرح مع الدقة فى التفاصيل هما الأساس فى إيصال مفهوم دراسة الجدوى فلعمل دراسة جدوى لأى مشروع نبدأ أولاً بوضع الهدف الذى نريد الوصول إليه من تنفيذ هذا المشروع ثم ندرس جدوى المشروع من الناحية الإقتصادية حيث يتم فحص تكلفة كل عنصر بدقة مع الوضع فى الاعتبار احتمالات تغير الأسعار والتوقعات فى خلال مدة التنفيذ والعائد الاقتصادى من المشروع وقد لا يكون عائد مباشر أو يكون فى صورة تقديم خدمات يكون مردودها الاقتصادى ليس مادياً وإنما فى أى صورة كمثال العائد الاقتصادى للخدمات الصحية للمواطنين أو العائد الاقتصادى لخدمات النقل التى توفر الوقت والمجهود للعاملين لأداء عملهم مما يرفع كفاءة الإنتاج والأمثلة كثيرة وأيضاً يجب دراسة جدوى المشروع والقدرة على تطويره للاستمرار فى تقديم هذه الخدمات لأطول مدة ممكنة وكما قال المهندس حسن فهمى “أن انفاق بعض الوقت فى دراسة الجدوى يعود بفائدة كبيرة على المشروع تعادل أضعاف الوقت الذى استغرقته هذه الدراسة”.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الفنى نكتشف أنه أهم رواد الفنون الشعبية وخاصة فرق الرقص الشعبى ويكفى أنه والد كل من نديرة فهمى وفريدة فهمى وهن زوجات كل من محمود رضا وأخيه على رضا وكان يمثل الأب بكل ما تحمله الكلمة من معانى جيدة لجميع أفراد فرقة رضا التى اشرف على إنشائها والتى تمثل علامة مميزة ليس فى مصر فقط وإنما فى جميع دول العالم شرقاً وغرباً وكان يقف بجانب الفرقة ويقدم لها كافة أنواع الدعم وهذه الروح هى التى جعلت من أستاذ الهندسة رجلاً يشهد له كل من جلس أمامه فى قاعة الدرس بمدى التأثير الذى أصبغه عليه ليس فقط علمياً ولكن فى كافة شئون الحياة حيث كانت محاضراته تحمل من دروس التطبيق العملى ما لا يوجد له مثيل لدى باقى أعضاء هيئة التدريس.
وحتى لا نخرج عن سياق الموضوع وإن كانت كافة النواحى مرتبطة برباط وثيق نعود إلى الحديث عن دراسات الجدوى والتى لم تعد من أولويات المشاريع وأذكر فى هذا المجال ما حدث أثناء إنشاء الطريق الدائرى والذى يمتد من مدينة 6 أكتوبر حتى بداية مدينة نصر بعد العباسية وأثناء إنشاء الطريق فى الثمانينات أصر الوزير المختص أن يتم افتتاح الطريق فى احتفالات أكتوبر رغم عدم الجاهزية ولم يستمع إلى أى اعتراض حيث كان إنشاء الطريق يحتاج إلى مزيد من الوقت وتم تجهيزه للإفتتاح دون إنجاز المطلوب مما أدى إلى انهيار هذا الجزء من الطريق بعد مرور أشهر قليلة فقامت الدولة بإصلاح الجزء الذى إنهار بتكلفة تكاد تصل إلى عشرون ضعف التكلفة الطبيعية وهكذا فى كثير من المشروعات التى لا تأخذ حقها من دراسة الجدوى.
رحم الله الأستاذ المهندس حسن فهمى الذى ترك لتلاميذه سواء فى كلية الهندسة أو فى المعهد العالى للسينما أو فى مجال الفنون الشعبية بصمات ليس من السهل محوها حيث أنها علامات داخل الفكر والضمير الإنسانى وكم نحتاج فى هذا الزمن إلى عشرات بل مئات من حسن فهمى.
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

