
شخصيات تركت بصمة فى حياتى ـ مجدى عبد الملك ميخائيل 1944 / مايو 2015
مجدى عبد الملك ميخائيل أو كما كان يطلق عليه مجدى ريش بدأ حياته كأى شاب مصرى تخرج من كلية التجارة عام 1966 وتم تجنيده فى بداية عام 1967حيث ألحق كضابط احتياط بالقوات الجوية وأصبح طيار فى القوات الجوية على الطائرات المروحية “الهليكوبتر” وشارك فى حرب الاستنزاف وكان مشهوداً له بالكفاءة والإقدام كما شارك فى العبور فى أكتوبر 1973 فى عدة عمليات أشهرها القضاء على رتل الدبابات الذى كان فى إتجاهه إلى أرض المعركة وتم القضاء عليهم بالكامل. ومن الغريب أن مجدى لم يكن كثير الكلام عن هذه المرحلة وإذا سأله أى من الأصدقاء كانت إجابته شديدة الاختصار.
وبعد إنتهاء الحرب تم تسريحه من الخدمة العسكرية بعد أن أدى واجبه بشرف وشجاعة وتلك هى المرحلة الأولى من حياته العملية وبعدها جاءت المرحلة الثانية حيث ألتحق بمكتب المهندس/ حسين صبور الاستشارى المعروف وتولى فى هذه الفترة مسئولية إدارة المكتب بالكامل وكان من الشخصيات القليلة التى تمكنت من السيطرة على كافة العاملين بالمكتب وفى تلك الفترة كان يتنقل ما بين القاهرة والإسكندرية حيث مقر فرع مكتب صبور لإدارة العمل فى كلا المكتبين وكنت أسمع من أصدقاءه العاملين فى مكتب المهندس/ حسين صبور – رحمة الله عليه – عن الكثير من بصماته والتى جعلت المهندس/ حسين شخصياً يحمل له كماً كبيراً من الاحترام والتقدير.
وانتهت هذه المرحلة بوفاة الأستاذ/ عبد الملك ميخائيل والده والذى كان يدير مقهى ريش الشهير الذى يقع فى منطقة وسط البلد مما جعل مجدى يترك العمل فى مكتب صبور ليتفرغ لإدارة مقهى ريش وكانت هذه هى المرحلة الثالثة والأخيرة من حياته والتى بدأها فى منتصف التسعينات من القرن الماضى وكالعادة كما ترك بصمة فى عمله بالقوات الجوية وأيضاً فى عمله فى مكتب حسين صبور فأننى استطيع أن أقول أن ما فعله فى البحث عن الجذور التاريخية لهذا المكان وتطوره فى الحركة الوطنية والحركة الفنية حيث قام بتوثيق إقامة مسرح فى الحديقة الملحقة بمقهى ريش وعرضت عليه مسرحيات بطولة السيدة/ فاطمة يوسف والتى عرفت بـ روز اليوسف ووثق ارتباطها بالفنان محمد عبد القدوس عام 1918 ونتج عن هذا الزواج الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس كما قام بتوثيق حفلات الأنسة أم كلثوم فى بداياتها على مسرح كافيه ريش وفى ذات السياق استطاع الكشف عن المخبأ السرى لحركة 1919 والذى كان الثوار يقومون بطبع منشوراتهم فيه ضد الاحتلال الإنجليزى فى قبو أسفل المقهى وقام بالكشف عن المخارج السرية والتى لم تستطع قوات الشرطة فى ذات الوقت أو قوات الاحتلال الإنجليزى الكشف عنها ولي الشرف أن أدعى بأننى كنت أحد أسباب الكشف عن هذه الأماكن وكان يعاوننى فى ذلك الصديق المرحوم ميشيل عبد الملك الأخ الأصغر لمجدى وكانت سيمفونية من العمل الثلاثى حيث يقوم “مجدى” بالبحث فى الوثائق التاريخية و”ميشيل” فى استخراج الآثار مثل مطبعة المنشورات وأقوم أنا بإعادة المكان إلى شكله القديم مع محاولة الحفاظ على الصورة القديمة.
كما قام مجدى بإقامة العديد من الندوات الثقافية لكبار الكتاب والشعراء والفنانين والتى أمتلك العديد من الصور لهذه المناسبات وأذكر فى هذا المجال أن هذا المكان شهد العديد من الرؤساء المعروفين فى العالم العربى وأشهر الزعماء العرب الذين كانوا يرتدون هذا المكان الزعيم العراقى الراحل “صدام حسين” ورئيس دولة اليمن السابق “على عبد الله صالح” وغيرهم من زعماء الحركات التحررية لأفريقيا والدول العربية حيث كانوا يجدون المناخ الثورى الذى يرحب بوجودهم كما كان “مقهى ريش” يعد بالنسبة لكثير من الكتاب والشعراء بمثابة المحل المختار لهم وأذكر منهم مع حفظ الألقاب “عبد الرحمن الأبنودى – أمل دنقل – سيد حجاب – الفاجومى أحمد فؤاد نجم وغيرهم كثيرون” وكم كبير من رموز الصحافة وشباب الصحفيين الذين كانوا يجدون الرعاية الكاملة حتى يصلوا إلى بلاط صاحبة الجلالة.
ومن أبرز التقاليد التى أسسها مجدى عبد الملك هو إفطار يوم الجمعة حيث كان يجمع كوكبة من الفنانين والشعراء والكتاب والسياسين فى مائدة إفطار يتراوح عدد الحاضرين فيها من 40 إلى 60 فرد وكان يحرص على دعوة الجميع تليفونياً ويشدد عليهم بالحضور وكان هذا الإفطار يحتوى على كافة أشكال الطعام من الفول والبيض والرنجة والطعمية الساخنة والعدس العباسى شتاءً وكان هذا التجمع يعتبر بمثابة محفل ثقافى وفنى وسياسى يتبادل فيه الجميع الآراء والمناقشات ويستمر من الحادية عشر صباحاً حتى الساعة الثالثة أو الرابعة بعد الظهر حيث يتم تناول الطعام مع وجبة ثقافية وفنية دسمة وللأسف توقف هذا التقليد بعد رحيل مجدى عبد الملك.
كان مجدى عبد الملك يمثل ظاهرة لم ولن تتكرر وقد عاشرته عن قرب شديد لمدة ما يقرب من ثلاثون عاماً وتعلمت منه الكثير مثل عدم الاندفاع فى أخذ القرارات ومحاولة حل المشاكل بالطرق الودية وعدم التفريط فى علاقات الصداقة كما أشهد له بأنه حافظ على حقوق أخوته وميراثهم حتى وفاته فى مايو 2015 وبوفاته خسر المجتمع الثقافى رمز من رموز رعايته وخسرت أنا شخصياً سنداً وداعماً لى فى كافة مناحل الحياة وبدون مبالغة فقد كان راهباً فى محراب الثقافة المصرية وهذا المقال الذى يتوافق مع ذكرى وفاته هو إسهام قليل بإلقاء الضوء على رجل يستحق أكثر من ذلك.
رحم الله صديقى وأخى مجدى عبد الملك.
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.
إقرأ ايضا
م . عباس محمود يكتب :شخصيات تركت بصمة فى حياتى ـ مهندس/ رمسيس ويصا غالى
م . عباس محمود يكتب : شخصيات تركت بصمة فى حياتى ـ مهندس/ حسن عبد الهادى لقمة
م . عباس محمود يكتب : شخصيات تركت بصمة فى حياتى ـ الأستاذ حسن المنياوى

