م . عباس محمود يكتب : مصر التى لا أعرفها

من الملاحظ أنه فى الشهور الماضية كنا نقرأ عن أحداث غير مألوفة فى المجتمع المصرى منذ نشأته وجرائم ترتكب لا يمكن تخيلها حتى فى أفلام الخيال السينمائى والسؤال المحير هل هذه مصر التى نشأنا بها وتكونت شخصياتنا وكانت العلاقات بين أبناء الشارع أو الحى الواحد كأنهم أسرة واحدة بالمعنى الحرفى للكلمة ولم نسمع أبداً عن صديق يقتل صديقه وأسرته من أجل المال. وكانت الحفلات الغنائية – ويشهد على ذلك حفلات أضواء المدينة – تضم مختلف المستويات من طبقات المجتمع وكان الاحترام سواء ممن يقدمون الفقرات أو من المتلقى عبارة عن احترام متبادل بين الطرفين لم نشاهد قط جمهور يقف بالساعات بدون وجود أى وسيلة للراحة لمشاهدة من يطلق عليهم فنان أو مطرب وهو ليس أكثر من مسخ يقدم صورة مشوهة لا علاقة لها بالفن ويدفعون آلاف الجنيهات مقابل هذه العروض المملوءة بالشذوذ شكلاً ومضموناً وما يجرى – وقد تكلمت سابقاً عن هذا – فى مجال التعليم وما وصل إليه مستوى التعليم الذى تقدمه الدولة من المراحل الأولى وحتى المراحل الجامعية من انحطاط واضح.
ليست هذه مصر التى نعرفها والتى يشهد تاريخها على مدى تقدمها الفكرى والاجتماعى ويحضرنى فى هذه اللحظات إحتفالية عيد السيدة العذراء والذى يقام سنوياً فى قرية درنكة الغنايم بمحافظة أسيوط حيث يتجلى فى هذا اليوم مدى ارتباط كافة طوائف الشعب المصرى سواء مسلمين أو مسيحين حيث لا يمكن أن تفرق بينهم فى هذا الاحتفال الذى يقدر الحاضرون فيه هذا العام تحديداً بمليون مواطن وهو رقم غير مسبوق فى هذه الاحتفالية والتى إن دلت على شيء فهى تدل على معدن الشعب المصرى الأصيل والتى لم تنجح الدعوات المتطرفة فى التفرقة بينهم وهذه الاحتفالية قد تكون شعاع أمل بأن ما زال هناك بقية تحافظ على التقاليد الموروثة ولم يصل إليه داء الفساد الذى يسرى فى المجتمع المصرى وخاصة فى العواصم مثل القاهرة والإسكندرية كما يسرى مرض الطاعون.
مصر التى نعرفها تمتلئ بالعلماء فى كافة المجالات والسبق العلمى كما تدل عليه آثار قدماء المصريين والقامات الأدبية فى العصور الحديثة والقامات العلمية مثال “الدكتور على مصطفى مشرفة” وغيره والقامات الفنية وفى كافة المجالات كنا رواد للمنطقة التى حولنا فماذا حدث فالملاحظ الآن أن هناك خطة ممنهجة لإزالة علامات التاريخ وآثار العهود القديمة نسبياً حتى لا يكون هناك مرجع للأجيال الحالية أو القادمة ومن يفقد تاريخه فلا مستقبل له فذكريات وأحداث التاريخ تمثل الأساس لأى مستقبل فلا يجوز أن يقوم المستقبل بدون أساس.
مصر التى أبحث عنها هى مصر الخير والتى كانت فى عهد سيدنا يوسف عليه السلام مخزن غلال لها ولمن حولها ولم تكن مصدراً للغلال فقط ولكن صورة للتقدم فى نظم الحكم والدين والعلاقات الاجتماعية ولا أبالغ إذا قلت أن احساسى بالغربة وأنا المقيم فى العاصمة يتزايد يومياً وأكاد أجزم بأن هاجسى الآن هو فقد الهوية .. هل أنا مخطئ أم أننى أبالغ فيما أشعر به من كافة الاتجاهات أرجو التواصل معى والرد هل هذه الهواجس هل لها أساس أم أنها أضغاث أحلام.
ليست هذه مصر التى قرأنا عنها فى كتب التاريخ فى مراحل الدراسة وما بعد الدراسة أشعر أننى فى مجتمع غريب وأكاد أجزم بأنه كابوس وليست هذه حالتى الخاصة ولكن ما يؤكدها هو أن هذا الشعور ينتاب الكثير ممن حولى.
ولا ألقى الاتهام على منظومة الدولة فقط ولكن جزء لا يستهان به هو مسئولية المجتمع والذى يتمثل فى لبناته الأولى من الأسرة والعائلة ورفاق العمل كما أن هناك جزء لا يستهان به من تصرفات من يطلق عليهم رجال أعمال والذين لا يملكون إلا شهوة جمع المال بغض النظر عن مصدره أو شرعيته ويحضرنى هنا ما حدث من أحد أصحاب المدارس الخاصة عندما سرق أموال أولياء الأمور وتعاون مع بعض المنحرفين فى أحد البنوك للحصول على قروض بأسماء أولياء الأمور ولم يراعى هو أو شركاؤه فى هذه الجريمة أن هذه إساءة تمس كافة أصحاب المدارس كما تمس العاملين بالبنوك المصرية وهنا يتجلى تماماً مثال “البقعة الصغيرة السوداء فى الثوب الأبيض” فهؤلاء المنحرفون لا يمثلومن أكثر من نسبة 1% أو 2% ولكن يسيئون إلى زملاؤهم لأن النظر يقع والاهتمام يتوجه إلى البقعة السوداء مما يسيء إساءة بالغة للمجتمع، كما ألقى بالمسئولية أيضاً على الكثير من رجال الدين الذين لا يراعون المجتمع واحتياجاته ويعيشون فى ماضى لم يعد له وجود ولا يحاولون التفاعل مع الواقع، وكما نعرف فأن الأديان كافة وجدت لتصلح للتطبيق على مر العصور وأن رسالة السماء لا تتوقف عند زمن محدد ولكن للأسف الذى توقف هو فكر من يطلقون على أنفسهم رجال دين فرجل الدين – وهذا رأى شخصى – هو الذى يمكنه التفاعل مع المجتمع المحيط به لتبليغ الرسالة والتى تتلخص عند كل الأديان فى عمل الخير والابتعاد عن الشر وعدم إيذاء الآخر لا بكلمة ولا نظرة وهذا هو واجب من يطلق عليهم رجال الدين.
نداء أخير لكل من يقرأ هذه الكلمات أن يرسل لى تعليقاً يصحح لى ما هو خطأ فى هذا الكلام أو ما هو مقبول منه وأرجو أن لا أكون قد أثقلت عليكم ولكن عذرى أننى أبحث عن مصر التى أعرفها والتى يجب أن يعرفها الجميع خاصة أبناء هذا الجيل.
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.
إقرأ المزيد

