مقالات ودراسات

م . عباس محمود يكتب : مواعظ فى كلمات الأغانى

الكثير من كلمات الأغانى شدت وما زالت تشد انتباهى لما تحمله من حكم ومأثورات قد لا ينتبه إليها الكثير من المستمعين وكمثال لذلك أغنية “كلمنى عن بكرة” غناء الفنانة “نجاة الصغيرة” وكلمات الشاعر “مأمون الشناوى” والتى تدعو إلى نسيان الماضى سواء كانت ذكريات مؤلمة أو ذكريات سعيدة وتؤكد هذا عندما تشدو وتقول ” لا تقول ولا أسمع هو إللى فات يرجع” وهذه الأغنية تؤكد معنى الحكمة الإنجليزية التى تقول ترجمتها “إذا دقت الذكريات على بابك فلا تفتح لها لأنك لن تجد أى شيء جديد” وهذا يقودنا إلى ما أود تأكيده فى هذا المقال من أن الكثير من كلمات الأغانى يحمل إلينا رسائل واضحة وكل المطلوب أن نتحرى الكلمات ومعانيها والتى تؤكد للمتلقى أن النظر إلى القادم أو إلى الغد بمعنى أصح أهم بكثير من الحياة فى الماضى والتى قد تسبب الألم أكثر مما تسبب السعادة حتى لو كانت ذكريات سعيدة حيث يشعر الإنسان بالحنين إلى هذه الذكريات.

ومن المعانى الجميلة التى شدت بها سيدة الغناء العربى “السيدة أم كلثوم” من كلمات “أحمد رامى” فى أغنية “رق الحبيب” عندما يقول “من كتر شوقى سبقت عمرى … شفت بكرة والوقت بدرى” مما يرسم صورة غير مألوفة للهفة الإنسان على الحصول على شيء ينتظره حيث يبدو كمن يسابق الزمن ويذهب إلى المستقبل قبل أوانه وما أكثر ما يمر بنا كبشر عندما نتلهف للحصول على شيء قبل أوانه.

ومن روائع الكلمات التى تغنى بها موسيقار الأجيال “محمد عبد الوهاب” فى رائعة أمير الشعـراء “أحمد شوقى” من قصـيدة “مضنـاك جفاه مرقده” حينما قال “ما بال العاذل يفتح لى .. باب السلوان وأوصده، ويقول تكاد تجن به .. فأقول وأوشك أعبده، مولاى وروحى فى يده .. قد ضيعها سلمت يده” وفى تلك القصيدة – التى تعارض قصيدة القيروانى والتى مطلعها “يا ليل الصب متى غده” – يختتم أمير الشعراء أبيات الأغنية بأن يصف مشاعر المحب الذى يحرضه العذال على هجر محبوبه ونسيانه فيجيبهم بأنه يكاد يعبد هذا المحبوب ثم يخاطب محبوبته بالدعاء لها بسلامة اليد التى ضيعت روحه .. ما أروع هذه المشاعر التى تصفها كلمات القصيدة تلك الروح التى تصف كيف يكون الحب الحقيقى تجاه المحبوب وما قدر كمية التسامح التى يحملها المحبوب للحبيب والتى تصل فى نقاءها وصفاءها إلى منزلة الرسل والأنبياء فى تسامحهم وعطائهم الغير محدود.

كما أن هناك من الكلمات التى تصف بعض المأثورات مثل الحسد والتى شدى بها موسيقار الأجيال “محمد عبد الوهاب” أغنية “حسدونى وباين فى عينيهم” أو أغنية “محمد عبد المطلب” “يا حاسدين الناس” وكلاً من هاتين الأغنيتين تنتقد الحسد والذى يعتبر من الأشياء التى يبغضها المجتمع المصرى رغم اعتقاده الراسخ فى الحسد وتأثيره على بعض مجريات الأمور.

أما بالنسبة للأغانى الوطنية فأن أكبر وأعظم ما قيل فيها هى قصيدة “مصر تتحدث عن نفسها” لشاعر النيل “حافظ إبراهيم” ومن أروع أبياتها “أنا إن قدر الإله مماتى لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي” ناهيك عن أغانى “عبد الحليم حافظ” فى أعياد ثورة 23 يوليو والتى كانت تحكى عن إنجازات الثورة فى كل عام والتى تمثل لمن يتابعها درساً فى تاريخ ثورة 23 يوليو بدءاً من بناء السد العالى وتأميم القناة والنهضة الصناعية وكأنك تتلقى حصة فى التاريخ من أستاذ متمكن ولا ننسى دور الفنان متعدد المواهب “صلاح جاهين” فى صياغة كلمات هذه الأغانى واستمرت موجة الأغانى الوطنية التى تؤرخ لأحداث الوطن حتى عبور القناة فى السادس من أكتوبر وكان من عظماء هذه الفترة – مع حفظ الألقاب – “فايدة كامل – وردة الجزائرية – عبد الحليم حافظ” وغيرهم كثير مما لا يتسع المجال لذكر كل الأسماء.

وخلاصة هذه الكلمات السابقة هو سؤال حائر أين هذه التنويعات الآن فلا يوجد على الساحة حالياً كلمات أو أصوات أو ألحان يمكن تصنيفها بأنها فن فالكلمات لا طعم لها ولا هدف إلا أنها عبارة عن بعض الكلمات المرصوصة بجوار بعض ويطلق عليها أغانى وبعض الأصوات النشاذ التى يعتقد أصحابها أنها نوع من أنواع الطرب وهى ليست أكثر من نهيق أو عواء مصدره حناجر مجروحة يصاحبها أصوات مزعجة يطلقون عليها موسيقى أو ألحان والموسيقى والألحان بريئة من هذا العبث.

وإلى أن يعود إلينا شعراء ومؤلفى أغانى تجود قرائحهم بما يستحق أن يطلق عليه فن سواء كان شعر بالفصحى أو العامية ونجد من يمكن له أن يعطينا لحناً يشد الأذهان والأذان وفن من الطرب ويساعد ذلك أصوات شجية تمنحنا الراحة والهدوء.

ولا أطيل ولكن كلمة أخيرة أن هذه الكلمات السابقة تؤكد أن الغناء هو أحد المظاهر التى تعبر عن ثقافة الشعوب ووعيها ونسأل الله أن نعود إلى سابق عهدنا فى كافة المجالات ونستعيد ما فقدناه … وشكراً لكم.

وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »