مقالات ودراسات

م . عباس محمود يكتب : دكاكين التعليم الجامعى وطرق النصب المشروعة

دكاكين التعليم الجامعى وطرق النصب المشروعة

انتشرت منذ عدة أعوام ظاهرة ما يسمى بالجامعات الخاصة وبدأت تنتشر على نطاق واسع تزامناً مع تراجع الجامعات التى يطلق عليها حكومية وبدأت الجامعات الخاصة تتسلل تدريجياً لتسيطر على سوق التعليم “وهو فعلاً أصبح كأى سوق تجارى” وانتشرت هذه الدكاكين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن مظاهر أعمال جمع الأموال بلا مقابل هو فرض ما يطلق عليه رسوم تقديم أو حجز مكان والتى تبدأ بخمسة آلاف جنيه وتصل إلى ضعف هذا المبلغ لكل طالب يود أن يحجز مكاناً فى أى من هذه الجامعات المزعومة وهذا المبلغ لا يرد تحت أى ظرف سواء تم قبول الطالب أو لم يتم وإذا نظرنا إلى الأعداد التى تتقدم وخاصة وأن كل طالب يحاول أ ن يحجز مكان فى أكثر من جامعة حتى تستقر الأمور والحد الأدنى لعدد الطلاب

المتقدمين للبحث عن مكان لا يقل عن 2000 طالب لكل جامعة أى أن هذه المؤسسة التعليمية تحصل على مبلغ لا يقل عن عشرة ملايين جنيه بدون أن تقدم أى خدمة للمتقدمين سوى عملية التنسيق لقبول الحد المطلوب وهى عملية لا تحتاج إلى أكثر من عشرة موظفين أي كانت درجتهم التعليمية والعمل لمدة شهرين أى أن التكلفة الإجمالية لا تتجاوز بأى حال من الأحوال عن مائتان وخمسون ألف جنيه أى قيمة المصاريف لم تتجاوز 2.5% مما تم تحصيله من الطلاب وياليت الأمر يتوقف عند هذا الحد بل أن القائمين على هذه الدكانين يتفننون فى ارهاق وسلب أموال أسر الطلاب فمثلاً بعضهم يشترط عند

رسوب طالب فى مادة أو مادتين أن تكون الإعادة فى أربع مواد ويدفع تكاليفها بالكامل دون اعتبار أنه سدد قيمة هذا المنهج ويعتبرون أن هذا حق – هذه واحدة – ناهيك عن المسميات والشعارات مثل التدريب أو الدراسات الاضافية لنفس المنهج فى غير أوقات المقرر والتى تكلف أسر الطلاب مبالغ إضافية لا تقل عن 25% من قيمة المصاريف المطلوبة والتى تبدأ بحد أدنى من ستون ألف جنيه للفصل الدراسى الواحد وتتجاوز مائة ألف جنيه فى بعض الأحيان طبقاً لأسم وشهرة الجامعة ونوعية الدراسة إذا كانت طب أو هندسة أو اعلام أو لغات وترجمة … إلخ وكل هذا يحدث ولا توجد أى رقابة جادة أو فعالة من المسئولين فى الدولة مما يؤدى فى النهاية إلى التأثير فى سوق العمل على سمعة الخريجين المصريين كما امتدت هذه الظاهرة إلى جزء كبير من التعليم الحكومى الذى تكون مصروفاته أقل بكثير من الجامعات الخاصة ولكنهم حتى فى الجامعات الحكومية يتفننون فى كيفية ابتزاز أولياء الأمور تحت مسميات مختلفة.

وإذا نظرنا إلى تأثير هذا الوضع فى المجتمع عموماً فسنجد أنه تأثير كارثى ومثال ذلك عندما يتخرج أحد طلاب كلية الطب الخاصة فلا تتوقع منه التعامل الإنسانى فهو قد نشأ على دفع ثمن التعليم باهظاً وبذلك أصبح التعليم بالنسبة له سلعة مثل أى سلعة تباع فى الأسواق وبالتالى سيتعامل مع المرضى بنفس المنطلق وينسى تعليم الطب وقسم “أبقراط” والذى يحث على أن أساس العملية الطبية هى الرحمة وأن الروح البشرية قيمة لا تقدر بالمال وكذلك فى المجال الهندسى بأنواعه حيث أن الخريج يسعى إلى الحصول على أقصى ما يستطيع جمعه من مال وإن كان عن طريق مخالفة المواصفات وعدم الالتزام بالقواعد الفنية دون النظر إلى ما يترتب عليه ذلك من كوارث وهكذا فى كل المجالات وبعد فترة بسيطة يصبح المجتمع ككل خالى من التقاليد وأدبيات المهنة ومحاذير مخالفة القواعد والأصول وهذه هى الكارثة الحقيقية التى تهدد مجتمع بأكمله تحقيقاً لمقولة “إن معظم النار من مستصغر الشرر”.

وهذه السطور قد تكون جرس تحذير لمثل هذه العواقب وما أسهل أن تقوم الدولة بتفعيل الرقابة الجادة على ما يجرى فى هذه المنظومة من الناحية المادية والتعليمية والإدارية حرصاً على الأجيال القادمة من السقوط فى هاوية المفاهيم الخاطئة.

مع خالص تمنياتى لجميع الأجيال بالنجاح فى حياتهم العملية والرجوع بمصر إلى ما كانت عليه حتى عهد قريب.

وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »