مقالات ودراسات

م . عباس محمود يكتب : أمسك حرامى

كلمة حرامى بمعناها اللغوى هى ناتجة عن الفعل الحرام أى ارتكاب كافة الأشياء المحرمة وتختلف عن كلمة اللص فاللص أساسها الذى يتلصص أى يتسلل فى هدوء وسكينة ليطلع على الأسرار الغير متاحة له ويستغلها فى أمور غير مشروعة وهكذا باقى صفات السلوك المنحرف مثل النصاب والمرتشى والدجال … إلخ.

وعندما نعود إلى الحرامى الذى أفسد على الناس – أو بمعنى أدق على أغلب الناس – حياتهم نجد أنه الاختراع اللعين المسمى بالتليفون المحمول فهذا الشيء تسلل إلى حياة الأغلبية وخاصة الشباب والكثير من الكبار ليقضى على كافة عوامل الروابط المجتمعية فالغالبية العظمى ممن يحملون هذا الشيء يكتفون بالتطبيق المسمى “واتساب” لتبادل تحيات الصباح وتبادل التهانى فى الأعياد والمناسبات السعيدة أو المشاركة فى الأحزان وفى الملمات وأصبح هذا الأسلوب هو السائد والذى من نتائجه أن ابتعد الناس والأصدقاء والجيران وحتى أفراد الأسرة الواحدة من التواصل المباشر أكتفاءً بما يرسلونه من رسائل لا تحمل إلا المشاعر الباردة وتبتعد تماماً عن حميمية التواصل المباشر – هذه واحدة – وقد تكون من أقل الأضرار التى يسببها هذا الشيء.

وإذا انتقلنا إلى الثقافة العامة التى يتبادلها الكثير من الشباب من خلال التطبيقات المختلفة لهذا الجهاز فنجد أن الكثير منها – إلا من رحم ربى – ثقافة وضيعة ولا تعترف بأى مبادئ أخلاقية أو روابط اجتماعية ولا أبالغ وبناء على تجارب عديدة إذا قلت أن هذا الجهاز الذى لا يتجاوز حجم كف اليد يدخل إلى أعماق خصوصيات كل فرد دون أن يدرك مستخدم هذا الجهاز أنه أصبح عارياً تماماً من الداخل والخارج أمام تلك الأجهزة وأنه يملك التصنت عليه واستنتاج ما يدور حتى وهو يتحدث والجهاز مغلق فنجد أن محور الحديث الذى يدور بين أى أفراد يبدو وكأن هناك شخص ما كان يستمع إلى هذا الحوار والدليل الواضح على ذلك هو أنه إذا كنت تتحدث مع أحد ما عن رغبتك فى شراء شيء ما سواء كانت ملابس أو أجهزة فعندما تفتح الجهاز بعد إنتهاء الحديث تجد أنه يطل عليك بباقة من الإعلانات التى تتعلق بما كان يدور بينكم ومع تطور التطبيقات والاستخدامات العابرة للمكان والتى تنتشر فى كافة الأنحاء تم القضاء على ما يسمى بالخصوصية الشخصية وأصبح الجميع مكشوفين أمام هذا الجهاز ومن وراءه والذين يديرون ويضيفون إليه كل فترة المزيد من الإغراءات التى تجعل الشباب يسرعون إليها متناسين أنهم يتيحون لأقوى وأكبر أجهزة التجسس والتصنت منذ بدء البشرية بالدخول إلى عالمهم الذى لم يصبح خاص.

وهذا الشيء قضى على أشياء كثيرة كان يتميز بها الأجيال السابقة فمثلاً كان هناك هواة التصوير الفوتوغرافى والذى كانت له مسابقات وأساليب مختلفة لإبراز المواهب الانسانية فى إلتقاط الصور والتى كان العامل البشرى يعتبر الأساس فى إنتاج اللوحات الفنية من اختيار الزوايا والإضاءة وخلافه حتى وصل الأمر حالياً إلى تركيب الألحان الغنائية وتغيير الأصوات ولا أعلم إلى مدى سنصل.

ومن الكوارث التى لا يلتفت إليها الكثيرون هو لجوء الكثير من الأمهات لإستخدام التليفون المحمول لإلهاء أبناءهم فى اللعب به حتى يتفرغن لأعمالهن فينشأ الأطفال من سن ما قبل الخامسة وهم يستخدمون هذا الجهاز وبالطبع لا رقابة عليهم وكم حدثت تصرفات من هؤلاء الأطفال الصغار عندما يستخدمون ألعاب تسبب الأذى البدنى والنفسى لهم دون أن تدرك الأمهات حجم الكارثة التى يسببونها للأطفال.

وإذا كان السؤال الآن ماذا جرى للأجيال الجديدة وعدم ظهور المواهب التى كانت تتدفق فى كافة المجالات العلمية والاجتماعية والسياسية والفنية فأن الإجابة أن الأجيال الجديدة بإستخدام هذا الجهاز وما يسمى بالذكاء الاصطناعى والذى هو فى حقيقة الأمر لا يتجاوز استخدام المعادلات والتركيبات بصورة أسرع للوصول إلى نتائج موجودة فعلياً ويمكن أن نطلق عليها أنها طريقة استخدام المعلومات المتاحة والنظريات المعروفة علمياً بصورة أسرع ولكن كلمة الذكاء التى لا يمكن أن يصل إليها أى جهاز مهما كانت قدرته هى الذكاء البشرى حين يستخدم الإنسان ما وهبه الله له من العقل البشرى والقدرة الغير مسبوقة للوصول إلى أشياء لم تكن معروفة أو موجودة من قبل.

والسؤال الآن ما هو الطريق لعودة الأجيال إلى استخدام الموهبة الآلهية التى اختص بها الله البشر واعتقد – وقد يكون هذا الاعتقاد يحتوى على جزء غير قليل من الحقيقة – بأن الحل يكمن فى تحديد مجالات استخدام هذه الأجهزة وحجب التطبيقات التى تؤدى إلى المزيد من الإشكالات السابق التحدث عنها والشق الآخر هو متابعة المستخدمين وإغلاق حساباتهم إذا تجاوزت الحدود المسموح يها ولا أظن مع وجود الكثير من النابغين فى هذا المجال أن تكون هذه القضية صعبة التطبيق.

أرجو أن تكون هذه صرخة لإنقاذ أجيال من الوقوع فى براثن هذه اللعنة التى تكاد تصيب الكثير من شبابنا وحتى ندرك الفارق الذى أسعى للتحذير منه فيكفى أن تطلع على صور راكبى المواصلات العامة “مترو أو أتوبيس” فى الدول الغربية ستجد أنهم يمضون وقت الرحلة للإطلاع على إحدى المطبوعات ونادراً ما تجد أحدهم يستخدم هذا الجهاز الملعون وطبعاً فى منطقتنا المستهدفة نجد العكس تماماً.

افيقوا يرحمكم الله قبل أن يسبق السيف العزل.

وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »