مقالات ودراسات

د.م أحمد الزلاط يكتب : شركة بنوك مصر… من إدارة المدفوعات إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الرقمي في مصر والمنطقة

في عالم يُعاد تشكيله بوتيرة غير مسبوقة بفعل التكنولوجيا، لم يعد السؤال الاقتصادي الأهم هو “كم نملكمن الموارد؟”، بل أصبح “كيف ندير حركة هذه الموارد؟”. فالقوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين لمتعد تُقاس فقط بحجم الإنتاج أو الثروات الطبيعية، بل بمدى قدرة الدول على التحكم في تدفقات الأموال،وتسريعها، وتوجيهها بكفاءة داخل منظومتها الاقتصادية. وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات ماليةمتلاحقة واضطرابات في سلاسل الإمداد وتغيرات جيوسياسية حادة، تبرز البنية التحتية المالية كأحد أهمأدوات الصمود والنمو في آنٍ واحد.

في هذا الإطار، تمثل شركة Egyptian Banks Company أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكهاالدولة المصرية، ليس باعتبارها شركة تشغيلية تقليدية، بل باعتبارها منصة سيادية تتحكم في العمودالفقري لحركة الأموال داخل الاقتصاد. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بإدارة هذا الكيان، بلبكيفية إعادة توظيفه ليصبح أداة فاعلة في تعظيم القوة الاقتصادية للدولة.

إن النظر إلى الشركة باعتبارها مجرد مزود لخدمات المدفوعات يظل قاصرًا أمام حجم تأثيرها الحقيقي. فهيتدير تدفقات السيولة بين البنوك، وتحدد سرعة تنفيذ المعاملات وتكلفتها، وتربط بين المؤسسات المالية فيشبكة موحدة، فضلًا عن امتلاكها قاعدة بيانات دقيقة تعكس أنماط الإنفاق والتحويل داخل الاقتصاد. وبهذاالمعنى، فإنها لا تدير عمليات فحسب، بل تضبط إيقاع الاقتصاد وتؤثر في كفاءته واستقراره.

ومن هذا المنطلق، يبرز الجدل حول إمكانية طرح الشركة في البورصة المصرية كوسيلة لجذب الاستثماراتوتوفير السيولة. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته من زاوية مالية، يتجاهل أبعادًا أكثر عمقًا تتعلق بطبيعة هذا الكيان. فالشركة تمس بشكل مباشر الأمن الاقتصادي، وتتعامل مع بيانات مالية شديدة الحساسية، كماتمثل إحدى الأدوات غير المباشرة التي يمكن أن تؤثر في السياسة النقدية. وإدخال مساهمين يسعون إلىتعظيم الربحية قد يخلق تضاربًا مع أهداف الدولة في تعزيز الشمول المالي وخفض تكلفة الخدمات. لذلك،فإن طرح الشركة الأم بالكامل لا يبدو خيارًا متوازنًا في المرحلة الراهنة.

غير أن الحفاظ على السيطرة لا يعني الاكتفاء بالوضع القائم. بل على العكس، تفرض المرحلة الحالية تبنيرؤية أكثر تقدمًا تقوم على تعظيم القيمة الاقتصادية لهذا الأصل. وهنا يبرز تحليل أكثر عمقًا يكشف أنالقيمة الحقيقية لا تكمن في الكيان المؤسسي ذاته، بل في المنصات والخدمات التي تعمل فوقه.

فعلى سبيل المثال، يمثل تطبيق InstaPay أكثر من مجرد وسيلة للتحويل اللحظي للأموال؛ إذ يمكن أنيتطور ليصبح منصة مالية متكاملة تقدم خدمات الإقراض الرقمي وإدارة المدفوعات والاستثمار. وبالمثل، فإنمنظومة Meeza تمثل شبكة دفع وطنية قادرة على تقليل الاعتماد على الشبكات الدولية، وفي الوقت ذاتهتمتلك قابلية للتوسع الإقليمي، خاصة في الأسواق الناشئة.

ومن هنا، يبرز نموذج اقتصادي أكثر توازنًا يقوم على الفصل بين البنية التحتية السيادية والمنتجات القابلةللنمو. فبينما تظل الشركة الأم تحت سيطرة الدولة الكاملة باعتبارها الضامن لاستقرار النظام المالي، يمكنتحويل المنصات الرقمية إلى كيانات مستقلة قابلة للنمو والطرح في البورصة، مع احتفاظ الدولة بحصةحاكمة تضمن استمرار التوجيه الاستراتيجي.

هذا النموذج يحقق عدة مكاسب في آنٍ واحد؛ فهو يسمح بتعظيم القيمة السوقية للكيانات المنفصلة، حيثتُقيّم شركات التكنولوجيا المالية بمضاعفات نمو أعلى بكثير من الشركات التقليدية، كما يتيح جذباستثمارات نوعية تبحث عن فرص توسع حقيقية. وفي الوقت ذاته، يخفف من العبء المالي على الدولة منخلال إشراك القطاع الخاص في التمويل دون التفريط في السيطرة.

ولا يقتصر أثر هذا التوجه على الداخل المصري، بل يمتد ليعيد تشكيل دور مصر في الاقتصاد الإقليمي. فمعالتوسع المدروس في المدفوعات الرقمية، يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز إقليمي للخدمات المالية، خاصة فيالقارة الأفريقية التي تعاني من فجوات واضحة في البنية التحتية المصرفية. ومن خلال تصدير نماذجناجحة مثل InstaPay وMeeza، يمكن خلق منظومة مالية إقليمية تعزز من النفوذ الاقتصادي المصريوتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار.

غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب إدارة دقيقة لمخاطر الاحتكار، إذ لا ينبغي أن يؤدي نجاح المنظومة إلىإغلاق السوق، بل يجب أن يصاحبه إطار تنظيمي مرن يسمح بالمنافسة والابتكار، مع الحفاظ على الاستقرارالمالي. فالتوازن بين السيطرة السيادية والانفتاح التنافسي هو الضمان الحقيقي لاستدامة النمو.

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن القضية لا تتعلق بقرار بيع أو طرح، بل بكيفية إدارة أصل استراتيجي يمتلكالقدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد. فالدول التي تقود الاقتصاد العالمي اليوم ليست تلك التي تمتلك المواردفقط، بل تلك التي تدرك قيمة أصولها غير التقليدية وتعيد توظيفها بذكاء لتحقيق أقصى عائد ممكن.

وفي ختام هذه الرؤية، تجدر الإشارة إلى أن مصر لا تعتمد فقط على بنيتها التحتية المالية، بل تمتلك أيضًاعناصر قوة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في حجم سوقها الكبير، وتعدادها السكاني الضخم، وقدرتها علىتوليد الطلب، فضلًا عن طاقات شبابها وأفكارهم التي تمثل موردًا اقتصاديًا حقيقيًا. إن حسن استغلال هذهالعناصر، إلى جانب تطوير المنظومة المالية، يمكن أن يخلق نموذجًا اقتصاديًا متكاملًا قائمًا على الابتكاروالتكنولوجيا والاستثمار الذكي.

“مصر لا ينقصها المواردبل تحتاج إلى تعظيم توظيف هذه الموارد ، ولا ينقصها الفرصبل تحتاج إلى قراءة هذه الفرص بشكل أعمق.

وهنا يكمن التحدي الحقيقيوكذلك الفرصة الأكبر.

إقرأ المزيد ،،

م. علي موسي يكتب : السيطرة لمن ؟؟

د.م حماد عبدالله يكتب: ما خفي كان أعظم!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »