مقالات ودراسات

م . عباس محمود يكتب : عيد الأم فى الماضى والحاضر

بدأت فكرة عيد الأم عام 1954 تقريباً حيث بدأت القصة بإحدى السيدات كبار السن التى ذهبت إلى دار أخبار اليوم التى كانت مملوكة فى ذلك الوقت للأخوين مصطفى وعلى أمين وعند لقاءها بالأستاذ على أمين أخبرته بأنها أفنت سنوات عمرها فى تربية أبناءها والآن وبعد أن وصلت إلى مرحلة الشيخوخة لاقت من أبناءها معاملة قاسية وجحود لم تكن تتوقعه وأثرت هذه القصة على الأخوين مصطفى وعلى أمين وبدءوا يفكرون فى كيفية التغلب على هذه المشكلة التى يعانى من جحود الأبناء بعض السيدات وإن كانت نسبة قليلة جداً فى ذلك الوقت وفكروا فى أن يخصص يوم سنوى لعمل احتفالية للأمهات تتعاون فيه أجهزة الدولة من صحافة وإذاعة والمراحل التعليمية المختلفة فى نشر هذه المناسبة للاحتفال بالأم وإظهار فضلها على كافة أفراد المجتمع.
وبعد عمل الكثير من استطلاعات الرأى توافق عدد كبير من المواطنين على اختيار تاريخ 21 مارس من كل عام وهو تاريخ بداية فصل الربيع ليكون يوماً لتكريم الأمهات.
وبدأت الفعاليات ونشر الموضوع بصورة قوية عام 1956 حيث أعلن فى كافة الصحف أن هذا هو يوم عيد الأم وبدأ ظهور الأغانى والتمثيليات الإذاعية والمقالات فى الصحف والمجلات وكذلك بدأ اليوم الدراسى بكلمات عن فضل الأم وكيفية تكريمها على كافة المستويات المدرسية من ابتدائى وإعدادى وسنوى ومن هنا بدا انتشار هذا العيد الذى انتقل من مصر إلى الكثير من الدول العربية.

أما عن ذكرياتى الشخصية التى بدأت باحتفال مدرستى الابتدائية بهذا العيد فهى قصة تحمل فى طياتها لغزاً محيراً ما زال يلازمنى حتى الآن رغم مرور أكثر من 70 سنة، كنا نقف فى طابور الصباح وننطلق جميعاً فى ترديد أغنية عيد الأم وكانت كلماتها تقول “عيدك يا أمى أبهج أعيادى لولاكى يا امى ما كان ميلادي” وعند البدء فى هذه الأغنية التى كانت تربط بين الأم فى العائلة والأم الكبرى وهى مصر وما أن يبدأ طلاب المدرسة فى هذه الأغنية حتى تنهمر الدموع من عيني بطريقة لا أعرف لها سبب أو مبرر فأمى – رحمها الله – كانت على قيد الحياة حتى تجاوز سنى 60 عاماً ورغم ذلك كانت مدرستى فى هذه المرحلة والتى لن أنساها أبداً “أبلة فاطمة الغازولى” تسرع إلى محاولة أن تهدئ منى متوقعة أن أكون يتيم الأم وعندما أحاول أن أقول لها “أنا ماما عايشة” تربط على ظهرى قائلة “كلنا ماما يا حبيبى” أما بالنسبة لزملائى فى الفصل فكانوا يحاولون بشتى الطرق أن يقدموا لى بعض من الحلوى وأن يكونوا ظرفاء معى متخيلين أننى يتيم الأم ولم أكن أجد أى مبرر لما يحدث وهذه الظاهرة استمرت معى ولا أبالغ أن أقول حتى يومنا هذا رغم أننى وأمى كنا على علاقة لا أبالغ أن قلت أنها لم يمر أحد على علاقة جيدة مع أمه مثل علاقتى بأمى ولم أجد تعليلاً لما يحدث لى فى هذه المناسبة كل عام.

ولا شك أن هذا الاحتفال أدى إلى توضيح وتوطيد العلاقة بين الأم وأبناءها والدور الهام الذى تلعبه فى الأسرة بالكامل.
وبعد مرور سنوات تطور الأمر إلى التفكير فى اختيار الأم المثالية على مستوى كل مدرسة ثم كل محافظة ثم كل مهنة فهناك الأم المثالية للأطباء والأم المثالية للمهندسين والأم المثالية لمحافظة كذا أو كذا … حتى وصل الأمر إلى اختيار أم الشهيد والأم المثالية على مستوى الجمهورية وتقديم جائزة لهذه الأم وكانت غالباً ما تكون جائزة ذات قيمة مادية ومعنوية بخلاف الدرع وشهادة التكريم.

وسارت هذه الأمور بصورة جيدة حتى الألفية الثانية إذ تلاحظ فى السنوات الماضية صور كثيرة لجحود الكثير من الأبناء والبنات فى ظاهرة غير مسبوقة وإن كانت لا تمثل إلا نسبة صغيرة إلا أن أى نسبة ولو كانت 1% فأنها تدعو للانزعاج فعلاقة الأم بأبنائها ليست فقط علاقة دم أو تربية بل إنها علاقة تقدسها كافة الأديان وكافة المجتمعات وإن كان هناك بعض مظاهر الجحود فى المجتمعات الغربية التى تحث على انقطاع الصلة بين الأبناء والأباء عند بلوغهم سن المراهقة وتسمح قوانين هذه الدول بانفصال الأبناء عن أسرهم وتمنع الأباء والأمهات من تقويم الأبناء وتعديل سلوكياتهم التى تخرج عن تقاليد الأديان والمجتمعات واعتقد أن هذه الظاهرة التى تنتقل إلى مجتمعاتنا الشرقية وإن كانت بصورة بطيئة إلا أن تأثيرها يجب أن يواجه مجتمعياً برفض ولفظ هذه الظاهرة بكافة الصور والإمكانيات.
وأرجو أن تكون احتفالية هذا العيد أكثر تفاعلاً لنشر قيم الروابط الأسرية خاصة بين الأجيال الجديدة ومحاولة تدعيمها بكافة السبل فترابط الأسرة هو صمام الآمان لترابط المجتمع وترابط الدولة.
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »