مقالات ودراسات

م . عباس محمود يكتب : الوصية الواجبة

الوصية الواجبة

اليوم ما أراه واجباً أو ما يمثل ديناً فى عنقى لكافة أحبابى سواء كانوا من أفراد الأسرة بالدم أو العلاقات القوية التى تمثل لى أكثر من روابط الدم ملخص السنوات والتى سوف أتحدث عنها لا يتجاوز وجهة نظرى الشخصية والتى قد يرى الكثيرون فيها بعض المبالغات أو التجاوزات واعتقد وهذا الاعتقاد يصل إلى مرحلة اليقين أننى قدمت بإيجابية يشهد لها الكثيرون بالدليل الدامغ على حبى لهذا الوطن عندما تقدمت للعمل على الجبهة كمهندس فى أثناء حرب الاستنزاف واستمر عملى هناك لمدة خمس سنوات متصلة تنقلت خلالها فى عدة مواقع غير مبالى بالمكان أو المخاطرة التى لم يكن لها أى اعتبار فى حساباتى وكان من حسن الطالع أننى قمت بعقد الكثير من الصداقات مع كافة المحيطين ويندر أن تتوافر هذه العلاقات فى هذه الأيام وكان أساس هذه العلاقات هو الإيثار حيث كان كل طرف يقدم للآخر ما ينطبق عليه القول “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصً” وهناك الكثير تم ذكره فى المقالات السابقة والتى كانت تحمل عنوان “شخصيات تركت بصمة فى حياتى” وبطبيعة الحال لم أذكر كثير من الشخصيات لأنهم أحياء أطال الله فى عمرهم وأنا لا أتكلم إلا عن من رحلوا حتى لا تكون هناك أى شبهة مجاملة، وكان الاستثمار الأكبر فيما يخص أبنائى حيث كان ذلك فى مجال التعليم لأننى كنت أثق فى أن التعليم هو الاستثمار الوحيد الذى لا يمكن أن يفقده صاحبه تحت أى ظرف من الظروف وأثبتت الأيام صدق تلك النظرية التى كنت شديد الاقتناع بها بارك الله فى أبنائى وحفظهم من كل سوء.

والآن وبعد مرور عقود كثيرة أجدنى فى هذه المرحلة المتقدمة فى السن – رغم رضائى التام عن مسيرتى – أفتقد إلى الهدوء النفسي وأبحث عن الضحكة الصافية وراحة البال والتى أشعر بأنه فقد متعمد حيث كانت الصفة التى اشتهرت بها بين كافة المحيطين بى هى إدمانى للضحك والإبتسام حتى فى أحلك الظروف ولم تكن الأمور المادية تمثل لى أى عقبة أو تسبب لى أى ازعاج والفضل فى ذلك يعود إلى مجموعة الأصدقاء المحيطين بى وإلى أبنائى فى الوقت الحالى وقبل كل هؤلاء يرجع الفضل إلى الله سبحانه وتعالى الذى بقدرته أشعر بأنه كان دائماً يربت على ولا أحن من الخالق وربما يعود ذلك أيضاً إلى الفلسفة التى نشأت عليها والفضل فيها يرجع إلى جدى الذى طالما أعطانى دروساً فى الحياة وكيف أن المادة “بمعنى أصح النقود” لا تمثل فى الحياة أكثر من عامل مساعد لاستمرار الحياة وكيف يمكن أن نتكيف مع المتاح قل أو كثر ولا أشعر بأى نقص.

أخوانى وأبنائى وأصدقائى وكافة المحيطين نحن لا نملك أى شيء فى هذا العالم وكل ما ندعى أنه ملكية خاصة لا يتجاوز حق الانتفاع فى المرحلة العمرية التى نعيشها وببساطة شديدة كما قال أجدادنا “الكفن ما لوش جيوب”.

ما أتعجب له الآن هو التصارع والاقبال على مظاهر قد تكون جميلة الشكل ولكنها لا تقدم أى مكسب حقيقى للحياة الهادئة الهانئة وهناك أمثلة كثيرة تعيش بيننا بأقل ما يمكن أن يتاح لها وتستعيض عن ذلك بالرضاء الحقيقى والقناعة وهما أهم عاملان لتوفير حياة صحية نفسياً وجسمانياً ويزداد العجب عندما نرى أماكن السكن بكل أشكالها والتى تبدأ الأسعار ببضعة ملايين وتصل إلى أرقام فلكية وللأسف فى داخلها برودة غير منظورة ولكنها محسوسة فلا تجد فى هذه المساكن ولو النذر القليل من دفء الأحاسيس حتى بين أفراد الأسرة الواحدة فالأبناء فى عالم منفصل تماماً عن الأباء والأباء منهمكين فى تدبير المال لتحقيق المطالب المحيطة بهم لاستكمال ما يسمى “الشكل الاجتماعى”.

اعتذر لكم جميعاً فأنا أكره دور الحكيم أو الواعظ ومن أكثر ما يؤلمنى هو أن أكون فى هذا الموقف رغبة منى فى أن يتدارك كل من يهمه الأمر العودة إلى البحث عما يوفر الترابط الأسرى والابتعاد عن المظاهر فكيف نحقق أطراف هذه المعادلة والغالبية تسعى إلى توفير الشكل وليس المضمون.

صدقونى كما قال لنا السابقون أن راحة البال أهم من جمع المال وبناء على سنوات الخبرة وما مر بى من أحداث أقولها بوضوح لم أجد أى انسان على وجه الأرض يستطيع أن يجمع بين الثروة المالية والهدوء النفسى واسألوا أصحاب المليارات فى الداخل أو الخارج وستسمعون عجباً أو تقرأون ما يصدمكم فالثروة الطائلة والهدوء النفسى لا يلتقيان أبداً مثل شريط قطار السكة الحديد.

قد تكون هذه وصية واجبة تجاه كل من اعرفهم وقد تكون قصيدة رثاء ذاتية ولكنها قد ترفع عن صدرى عبء ثقيل كنت أشعر به تجاه كل من حولى وأجد أننى لا أريد أن أؤكد لكم عن مدى حبى للجميع بكافة مراحلهم العمرية وكافة توجهاتهم الفكرية والدينية.

أحب مصر بكل مزاياها وكل عيوبها وكافة أفراد شعبها أعشق ترابها ويكفينى فخراً أنها البلد الوحيدة التى ذكرت بالأسم الصريح فى كافة الكتب السماوية.

هل وصلت الرسالة أم أننى أحرث فى البحر…

وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »