مقالات ودراسات

د.م أحمد الزلاط يكتب : حماية دلتا النيل لا تتحقق بالقوانين وحدها،،!؟

في ظل التحديات المتسارعة التي تواجه الدولة المصرية، تبرز قضية التعدي على الرقعة الزراعية في دلتا النيل ومدن الأقاليم باعتبارها واحدة من أخطر قضايا الأمن القومي، لما تمثله من تهديد مباشر للأمن الغذائي، والاستدامة البيئية، والاستقرار الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، خاضت الدولة المصرية على مدار عقود طويلة معركة حقيقية لحماية الأرض الزراعية، مستخدمةً كل أدوات الردع الممكنة، من قوانين التجريم، ومنع البناء، وتجريم التبوير، وصولًا إلى المحاكمات العسكرية ، ورغم أهمية هذه الإجراءات وضرورتها، إلا أن التجربة أثبتت أن الردع وحده لا يكفي، لأننا نواجه ضغطًا اجتماعيًا واقتصاديًا حقيقيًا، وليس مجرد مخالفات فردية.”

جوهر المشكلة: الطلب وليس القانون

السؤال الحقيقي ليس: كيف نمنع المواطن من البناء؟ بل: لماذا يضطر المواطن إلى البناء على الأرض الزراعية من الأساس؟
ففي دلتا النيل، حيث الكثافة السكانية الأعلى في الشرق الأوسط، تتزايد أعداد السكان، وتتقلص المساحات المتاحة داخل الأحوزة العمرانية، بينما يضطر ملايين المواطنين للعمل خارج مراكزهم ومحافظاتهم، في مناطق صناعية ومدن جديدة بعيدة، دون أن تتوافر لهم مجتمعات سكنية متكاملة قريبة من أماكن عملهم.

«لا يوجد إنسان عاقل على وجه الأرض يجرف أرضًا زراعية خصبة ثم يذهب ليستصلح أرضًا صحراوية بتكلفة هائلة، إلا إذا كان مضطرًا!.»

الحل العكسي: نقل الطلب بدلًا من مطاردته

من واقع خبرتي في التطوير العمراني والبنية التحتية، فإن الامر يحتاج رؤية عملية تقوم على التعامل العكسي مع المشكلة، عبر تفريغ الضغط العمراني من دلتا النيل، بدلًا من الاكتفاء بملاحقته قانونيًا ، فحينما ننقل جزءًا من المواطنين المرتبطين بالعمل اليومي خارج الدلتا إلى مجتمعات صناعية–عمرانية جديدة في الظهير الصحراوي، فإننا نوقف التعدي على الأرض الزراعية قبل أن يحدث.

الفكرة الجوهرية بسيطة لكنها عميقة الأثر:
حيثما وُجدت حركة عمالة كثيفة من الدلتا إلى الخارج فيجب أن تُنشأ مجتمعات سكنية وخدمية قريبة من مواقع العمل ،بما يسمح بانتقال الأسرة بالكامل، لا العامل وحده.

نموذج تطبيقي قابل للتعميم
في شمال الدقهلية وحدها (مدينة الجمالية والمنزلة والمطرية)، هناك عشرات الآلاف من العمال الذين ينتقلون يوميًا للعمل في مصانع خارج محافظتهم ،، إذا قمنا بإنشاء مجتمعات صناعية وسكنية متكاملة في مناطق مثل شرق بورسعيد وشرق التفريعة، وربطنا كل مصنع بعدد وحدات سكنية يعادل عدد العاملين فيه، فإننا ننقل مئات الأسر دفعة واحدة من الوادي الضيق إلى الصحراء.

فمصنع يعمل به 100 عامل، مع توفير 100 وحدة سكنية ، يعني نقل 100 أسرة ، أي ما يقارب 500 مواطن ، وبالتالي رفع الضغط عن مئات الأمتار من الأراضي الزراعية التي كان سيتم تبويرها.
مكاسب متعددة للدولة والمواطن
هذا النموذج لا يحمي الأرض الزراعية فقط، بل يحقق مكاسب متشابكة تتمثل في تقليل تكلفة استصلاح أراضٍ زراعية بديلة ، خفض استهلاك الوقود ومحروقات النقل ، تقليل الزحام والضغط على مدارس ومستشفيات الدلتا ، رفع إنتاجية العامل نتيجة قربه من موقع العمل ، خلق عمران منظم يمكن التحكم فيه وإدارته.
«ما تنفقه الدولة على إنشاء بنية أساسية لمجتمع جديد أقل بكثير مما تخسره من تآكل الرقعة الزراعية».

رؤية قومية للتنفيذ
لذا ، ضرورة أن يتم تنفيذ هذه الرؤية من خلال كيان مركزي متخصص، يقوم بدراسة حركة العمالة على مستوى الجمهورية، وربطها بالمواقع الصناعية المناسبة، وإنشاء مجتمعات جديدة تقوم على مبدأ العمل أولًا… ثم السكن… ثم الخدمات.

كلمة أخيرة ،،
إن حماية دلتا النيل لا تتحقق بالشعارات، ول ولا بالقوانين وحدها، بل بإعادة هندسة العمران المصري بما يتناسب مع الواقع السكاني والاقتصادي. ما نحتاجه اليوم هو نقل الحياة إلى الصحراء، لا نقل الصحراء إلى الدلتا.”

الدكتور المهندس أحمد الزلاط، عضو مجلس إدارة الشركة الوطنية للانشاءات ، ورئيس مجلس إدارة شركة مصر العظمى للتنمية ( GEDICO)،

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »