م . عباس محمود يكتب : نظريات هندسية وانعكاسها على الحياة

نظريات هندسية وانعكاسها على الحياة
من أهم المبادئ التى تعلمناها فى دراسة الهندسة مجموعة من البديهيات التى لم يتم التركيز عليها لأنها من البديهيات وبعد مرور بعض الوقت وجدنا الارتباط القوى بين هذه البديهيات أو القواعد الأساسية وبين الحياة الانسانية وإذا بدأنا بالنواحى الهندسية نجد أنه من المعلوم للعامة والخاصة أنه لكى يقوم أى بناء أو منشأة أو مشروع هندسى يجب الاهتمام بالأساسات التى يقوم عليها هذا المشروع فإن كان هذا المشروع عبارة عن مبنى سواء سكنى أو إدارى أو ترفيهى أو كان مشروع إنشاء كوبرى أو لبناء طريق فالاهتمام بالأساسات هو العامل المطمئن لقيام مشروع ناجح ويؤدى المطلوب منه بطريقة جيدة وتلك بديهية قد لا تستحق الكلام فيها ولكن إذا نظرنا إلى الإنسان كنموذج نجد أن بناء الإنسان يبدأ من مرحلة الطفولة عملاً بالمثل القائل “من شب على شيء شاب عليه” فمن ينشأ فى مجتمع سوي لا مكان فيه للكذب أو الانحراف ستظل هذه المبادئ هى الحاكم له فى الحياة وأما إذا كان الأساس ضعيف وبه بعض العيوب فقد يتصدع البناء “الإنسان” ولو بعد حين. وبعد إتمام المشروع أي كان نجد أنفسنا فى مواجهة الشكل الخارجى والداخلى لهذا المشروع والقاعدة الذهبية والتى يلخصها الجميع هى أن “نظافة السلم تبدأ من القمة” فلا يمكن أن تحصل على مستوى جيد من النظافة إذا بدأت من أسفل وكذلك فى إظهار الواجهات أو الشكل العام للمشروع فجميع الأعمال تقتضى البدء من أعلى ومهما حاولنا لن تنجح أى طريقة إذا بدأنا دون ذلك وإذا طبقنا تلك القاعدة الذهبية على السلوك البشرى ومثال لهذا إذا كانت هناك شركة تعمل فى مجال ما وكان يرأسها شخص يتحلى بالصفات الجيدة من أمانة وتطوير العمل والبحث عن النجاح للمنظومة التى يرأسها فستنعكس تلك المزايا التى يتحلى بها شخصياً على كافة العاملين حتى لو وجد بينهم من لديه استعداد للإنحراف أو التجاوز فى أى صورة فلن يجد المجال مفتوحاً أمامه وسيجد من القيود والحواجز التى تمنعه من الانحراف وسيكون مصيره إما البتر من هذه المنظومة أو اجباره على إتباع سياسة القيادة.
أما إذا كان الوضع معكوساً ويرأس هذه المؤسسة من لديه الاستعداد للإنحراف أو التجاوز عن المعطيات الإيجابية ففى هذه الحالة سنجد أن هذا الخُلق الغير سليم سينعكس على مرؤسيه بدرجة أو بأخرى وحتى لو كان أحدهم لا يستطيع المضى فى هذا الطريق فلن يتمكن إلا من الابتعاد ولا يملك له مقاومة.
وتلك القاعدة الذهبية التى تعلمناها من أساتذة كان لا يكفيهم تعليمنا بالنظريات العلمية والمعادلات الرياضية ولكن كانوا يبذلون ما يستطيعوا من جهد لتلقيننا الكثير من تجارب الحياة وكانوا يترجمون النظريات العلمية والهندسية لعمل مقارنات بينها وبين الحياة الإنسانية والاقتصادية والسياسية وتلك الروابط هى التى أعطت لنا قدراً من النظرة الشاملة لكافة الأوضاع المحيطة وجعلت من جيلى ومن الأجيال التى تلت يملكون من النظرة الشاملة للأوضاع المحيطة والتى تكون عبئاً ثقيلاً عليهم بالنظر لما يحدث حالياً على كافة المسارات والتى لا تخطئ العين فى إلتقاط السلبيات والتى تكاد أن تكون متعمدة أو بفعل فاعل وخاصة فى مجال التعليم والصحة وهناك مثال آخر على ذلك وبدون أى غرابة أو اندهاش هو ظاهرة انتشار ما يسمى بالتوك توك الذى يهدد أو أوصل المهن الحرفية إلى الانقراض تقريباً حتى أصبح مصدر سهل للحصول على دخل دون مجهود يذكر مما جعل الكثير من الصبية يفضلون العمل عليه ولم يعد أحد يهتم بتعلم أى حرفة قد تعود عليه بدخل جيد فى المستقبل وأصبح جميع الحرفيين يعانون من نقص فى إنشاء جيل جديد يتسلم منهم حرفتهم ولا توجد جهة مسئولة تهتم بهذه القضية ذات الأثر الكبير على جيل كامل من صغار السن تكون مبادئهم الكسب السريع ولا يمثل المستقبل لهم أى أمل أو طموح.
السؤال المحير والذى لا توجد له إجابة بالنسبة لى على الأقل حتى الآن هل المبادئ التى نشأنا عليها دينياً واجتماعياً كانت خاطئة ومن غرسوا فى نفوسنا ووجداننا هذه المبادئ هل كانوا يتوقعون ما يحدث الآن وهل هناك بصيص من الأمل للخروج من هذه الدوامة … سؤال أرجو من الذين يملكون الإجابة أن يفيدونا أفادهم الله.
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

