م . عباس محمود يكتب : غريب فى وطنى

أنظر حولى وأبحث عن ما تعودت عليه فى كل مناحل الحياة بدءً من المدرسة بكافة مراحلها من المرحلة الإبتدائية حتى المرحلة الثانوية ثم الدراسة الجامعية ومرحلة العمل أثناء حرب الاستنزاف ثم سنوات ما بعد العبور والإنقلاب الذى حدث فى المجتمع بالكامل بعد تطبيق ما يطلق عليه سياسة الإنفتاح والذى وصفه الكثير بأنه الإنفتاح سداح مداح
وإذا تناولنا بعض المعالم التى تشعرنى بأننى غريب فى هذا الوطن الذى أعشق ترابه والذى أعطانى الكثير سواء من التعليم أو الفن ودروس من الصعب تجاوزها وبشر كانت مهمتهم العطاء دون انتظار اى مكافأة مادية.
وإذا بدأنا بالتعليم كان المدرسون فى كافة المراحل الدراسية يتسابقون فى شرح المواد ومساندة الطلبة لفهم المقررات دون انتظار لأى حافز وكان حافزهم الرئيسى فى كافة المراحل هو إخراج دفعات من الطلبة لها القدرة على الفهم والاستيعاب أكثر من الحفظ وكانت مجانية التعليم تطبق بمعناها الحرفى وبالمناسبة هذه المجانية التى يقوم البعض بمهاجمتها هى السياسة التعليمية المطبقة فى دول الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية حيث التعليم هناك مجانى إلى نهاية المرحلة الثانوية وكذلك فى معظم الدول الأوروبية تطبيقاً لمقولة الراحل الدكتور طه حسين عندما قال ان التعليم كالماء والهواء وكان ذلك بهدف تطبيق مجانية التعليم فى العهد الملكى والذى تم بعد ثورة 23 يوليو وهذه المرحلة من مجانية التعليم أنتجت لنا رموزاً تفخر بها مصر من أمثال دكتور مجدى يعقوب – الراحل دكتور زويل – المهندس هانى عازر والدكتور محمد غنيم رائد جراحات الكلى فى مصر وآخرين لا يتسع المجال لذكرهم والآن لا توجد مدارس ولا معلمين وأصبحت تكالف العملية التعليمية من الناحية المادية ما يعجز عن توفيره الغالبية العظمى.
وإذا انتقلنا إلى الفنون من مسرح وسينما وبرامج تليفزيونية سواء كانت برامج حوارية أو سياسية إلى المسلسلات التى بلغت ذروتها بدءاً من السبعينات وحتى نهاية التسعينات ولا أنسى الإشارة إلى الفنون التشكيلية من تصوير ونحت وخزف … إلخ حيث أصبح من الصعب العثور على فنان يجيد فن النحت رغم أنه يعتبر تراث مصرى من أيام قدماء المصريين الذين برعوا فى أعمال النحت وتشهد عليهم المعابد الموجودة فى مصر القديمة وحتى فى التصوير من الصعب أن نجد رسامين أو مصورين يتميزون بخطوط تبرز شخصيتهم حيث كنا نستطيع أن نتكهن بأسم الفنان بمجرد رؤية لوحاته فنقول هذا من إنتاج محمود سعيد أو سيف ونلى أو بهجورى أو عدلى رزق الله وأخرهم الوزير الفنان فاروق حسنى وكثيرون … أين المسارح
والتى وصلت إلى أكثر من خمسين فرقة مسرحية سواء كانت تابعة لوزارة الثقافة أو القطاع الخاص والتى كانت تقدم فى كل موسم أعمال لكتاب مصريين أو أعمال مترجمة وذلك من بداية الستينات ولم يعد هناك حالياً من الفرق المسرحية إلا أقل من عدد أصابع اليدين حتى الأفلام والمسلسلات التليفزيونية تراجعت عدداً وقيمة فنية وأصبحنا نرى فى هذا الزمن أشباه ممثلين
وأشباه كتاب وأعمال لا تصل إلى أى مستوى فنى وينفق عليها الملايين كما لو كان هناك من يسعى إلى انحطاط الذوق العام … وحتى فى الصحافة أين أصحاب الأعمدة الذين كانوا يدفعون القراء إلى البحث عن ما يكتبونه يومياً واقتصر الأمر الآن على أثنين أو ثلاثة على الأكثر
وباقى الصفحات الصحفية لم تعد تليق بالصحافة المصرية التى ازدهرت منذ القرن التاسع عشر … وحتى فى مجال الغناء أين كتاب الأغانى والملحنين الذين كانوا يملؤن الساحة الفنيةبأعمالهم التى تبقى عقود وعقود دون أن تفقد قيمتها مع مرور الزمن وأين ذهبت الأصوات والتى فى معظمها لم تكن بحاجة إلى دعم موسيقى من الفرق الموسيقية حيث كان الكثير منهم
يتجلى فى أثناء الوصلة الغنائية بالغناء منفرداً واستعراض قوة الصوت وعذوبته لإبهار المستمعين وكيف كانت القصائد التى يتم تلحينها وغنائها باللغة العربية الفصحى يتغنى بها رجل الشارع الأمى ويدرك معانيها وهل كل هذا يقارن بما يطلق عليه الآن أغانى المهرجانات التى تتسم بالسوقية من حيث الكلمات والألحان والأداء الذى لا يحمل من الفن أى مسحة … لقد
أصبح هناك خوار ثقافى متعمد لتدمير قوة مصر الناعمة التى تتمثل فى كل ما سبق. وناهيك عما يحدث فى قطاع الصحة وفى إنفلات وسعار التجار بلا وازع من ضمير أو ردع من قانون.
وهكذا تضخم فى داخلى الاحساس بالغربة فى هذا الوطن الذى كان بالنسبة لى هو مقولة الزعيم الوطنى مصطفى كامل الذى قال وطنى لو شغلت بالخلد عنه نازعتنى إليه فى الخلد نفسى
والسؤال المحير الآن هل سيكون لى نصيب أو يطول بى العمر لأرى هذا الوطن يسترد عافيته ويعود إلى سابق عهده؟ لا أستطيع أن أجزم بذلك وأسأل الله لأبنائى وأحفادى فى جميع ربوع مصر أن يعود هذا الوطن الذى يتميز بذكره فى كافة الكتب السماوية من التواراة والإنجيل والقرآن والذى أدعى وكلى ثقة أن الرب أو الإله الواحد سيحفظ هذه الأرض من كل ما يحيط
بها من شرور ومن كل ما يراد بها … تحياتى
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

