مقالات ودراسات

م . عباس محمود يكتب : شخصيات تركت بصمة فى حياتى ـ دكتور/ إدوارد فرج

شخصيات تركت بصمة فى حياتى ـ دكتور/ إدوارد فرج

بدأت علاقتى بالدكتور إدوارد فرج فى عام 1968 ولم أكن أتوقع ان تستمر هذه العلاقة حتى عام 2012 حين رحل عن دنيانا تاركاً فراغاً نفسياً وإنسانياً فى حياتى وكانت علاقتى به مجرد صديقين يلتقيان إما فى معهد روبير لتعليم الرقص فى ميدان طلعت حرب أو فى عيادته الكائنة فى شارع طلعت حرب.

فى تلك الأيام كنت أعمل بعد تخرجى فى عام 1968 على الجبهة فيما يعرف بحرب الاستنزاف وكنت أقضى معظم أوقات الأجازة معه نتبادل الأحاديث ونذهب إذا كان وقت الغذاء لتناول وجبة الغذاء فى أحد المطاعم المنتشرة فى وسط البلد وتوطدت هذه العلاقة وأصبحنا أخوة بما تحمله الكلمة من جميع المعانى الطيبة ولا أنسى مواقفه الإنسانية والتى تمر على ذاكرتى حينما كنت أشكو أن والدتى – رحمها الله – تعانى من آلام فى أسنانها وأنها لا تسطع الحركة للحضور إلى العيادة فنظر لى قائلاً “العيادة هى اللى تروح للحاجة زبيدة صاحبة صينية الكنافة والقطايف اللى بتبعتها لى كل رمضان” وفعلاً اصطحبنى ومعه الأدوات اللازمة ومعه إحدى مساعديه وقام بعمل اللازم وهكذا كانت العلاقة التى تأسست على الحب والعطاء ولا أبالغ إذا قلت أننى لم أكن الوحيد الذى يحظى بتلك المعاملة وإنما كانت أصل مغروس فى تركيبته فهو كان معطاء لجميع من حوله وكانت المحبة هى عنوان حياته ولا يفرق بين أحد أى كان وضعه الاجتماعى أو المالى أو العقائدى.

ومع اقتراب ذكرى رحيله فى الخامس من مايو اذكر واقعة تدل على قوة العلاقة بيننا حين كان أبنى الأكبر يدرس فى المدرسة الثانوية بالولايات المتحدة وفاجئنى بطلب ارسال القسط الثانى من مصاريف الدراسة خلال ثلاثة أيام ولم أكن مستعداً لذلك حيث كانت الأموال ستتوفر خلال أسبوع وحين التقيت مع دكتور إدوارد ووجدنى مهموماً وألح فى السؤال فأخبرته بالسبب فأخذنى إلى المصرف العربى الدولى وهو إحدى الجهات التى كانت تتعامل معه كطبيب أسنان للبنك وسأل عن الرصيد الخاص به وسحب كل الرصيد تقريباً وعند خروجنا من البنك أعطانى المبلغ وكان باقى أقل من 10% لاستكمال القسط فقال لى مبتسماً “دى الفلوس اللى عندى وأتصرف أنت فى الباقى” ولم استطع المناقشة معه وبعد مرور أسبوع تقريباً ذهبت إليه فى العيادة ومعى المبلغ لأعيده إليه سألنى “ما هذا؟” فقلت له “دى الفلوس اللى أخذتها علشان مصاريف محمد” فنظر إلى نظرة تحمل الكثير من اللوم والعتاب ولا أبالغ إذا قلت أننى رأيت الدموع فى عينيه وهو يقول “من امتى إحنا بنتحاسب مع بعض؟” وقال لى “لو كان الموقف مختلف هل كنت تقبل أن أعيد لك هذه الأموال؟” ولما اجبته “نعم” أجابنى “أنت كداب … كداب … كداب” ثم استأنف قائلاً “تعالى نقعد ونحسب من أول معرفتنا أنت دفعت لى قد إيه وأنا دفعت لك قد إيه بشرط بعد هذا الحساب أنا مش عايز أعرفك ولا تعرفنى” وبطبيعة الحال وضعت النقود فى جيبى وقبلت رأسه وخرجنا لتناول الغذاء.

واستمرت علاقتنا وقصص العطاء المتبادل بيننا حتى فوجئت فى أحد أيام عام 2006 تقريباً بخبر أنه قد أصيب فى العصب البصرى فى العينين بمرض يحجب الرؤية وبطبيعة الحال قامت أسرته – وعلى رأسها الأخت العزيزة الدكتورة عايدة زوجته وأبنائه دكتور جورج وهو طبيب أسنان ويعتبر النسخة الأصلية من والده والصيدلى تامر والحبيبة أخر العنقود مرمر – ببذل كافة الجهود لعلاجه وللأسف لم تنجح هذه الجهود فى القضاء على هذه الإصابة ولكن – وهذا من أعجب ما رأيت – لم يبتعد الدكتور إدوارد ويغلق على نفسه ويستسلم للوضع بل أنطلق كالفارس واتخذ من عيادة أخرى كان يعدها كبديل اتخذ منها بداية لنشاط جديد مستغلاً معلوماته وخبراته الطويلة فى توفير المواد الكيميائية والمنتجات المطلوبة لمعامل الأسنان وغيرها من المصانع التى تحتاج إلى مختلف المواد الكيميائية وأشهرها إحدى مصانع المنظفات الصناعية فى منطقة العاشر من رمضان وكان يتواصل فى تلك الأوقات مع المديرين الأصليين سواء فى خارج مصر أو داخلها لتوفير هذه المواد وحقق نجاحاً رغم كل الملابسات التى احاطت به ولم يكن يركن إلى الاستسلام بل كان كالفارس الذى لا ينزل عن صهر جواده إلا مع نهاية العمر.

هذا الموقف يعطى نموذج لكل من يواجه مصاعب فى حياته وهل هناك مصيبة أكثر من فقد الإبصار فى هذا السن المتقدم ولكن ما فعله الراحل الغالى دكتور إدوارد فرج يعطى لأصدقائه ومحبيه المثال لخلفية التعامل مع المواقف الصعبة وكيف نحولها إلى حوافز للمقاومة والتقدم ولله حكمة حينما يضعنا فى تجربة ليختبر قوة إيماننا ويعطينا المثل على قدرتنا للتحمل.

هذا هو دكتور إدوارد فرج رحمة الله عليه وأطلب من الله أن يمنحنى الصبر على فراق الأحباء.
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »