م . عباس محمود يكتب : كنظام وزارة المعارف العمومية

هذه الجملة كانت تكتب على الغلاف الخلفى لكراسات الطلبة فى المرحلة الإبتدائية والإعدادية وكانت وزارة المعارف العمومية هى اسم وزارة التربية والتعليم حالياً وكان يطلق عليها هذا الأسم حتى عام 1954 حين تولى الوزارة السيد كمال الدين حسين وكان عضو مجلس قيادة الثورة ويمثل الجناح اليمينى “غالباً الإخوان المسلمين”.
وكانت تلك الجملة “كنظام وزارة المعارف العمومية” عنوان لعدد من النصائح التى تحرص الوزارة على توجيه الطلبة وكانت النصيحة الأولى هى “اغسل يديك قبل الأكل وبعده” وهى كما نرى توجيه للطلاب صغار السن ليحرصوا على النظافة حيث كانت توزع عليهم وجبات الغذاء بالمدارس الحكومية والنصيحة الثانية كانت “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد” والتى تحث الطالب على أداء واجباته فى موعدها وعلى ما أتذكر كانت النصيحة الثالثة “نم مبكراً واستيقظ مبكراً” ومن النصائح الأخرى “مدرستك ملك لك نظافتها وجمالها عنوان ذوقك وتربيتك” وهناك نصائح وطنية منها “اجعل شعارك حب الله والوطن” “أحق الناس بحبك وتقديرك أبوك وأمك” “حريتك أثمن من حياتك” وهكذا كانت تلك النصائح والتى كانت تبلغ حوالى عشر نصائح على الأقل هى منهج لتوجيه الأجيال الصغيرة إلى قواعد التعامل فى الحياة منها النصائح الصحية ومنها الوطنية والاجتماعية وعموماً كانت دستور للأجيال الصاعدة لزرع الإنتماء الوطنى والدينى والاجتماعى والاخلاقى.
وعندما نبحث عن مثل هذه التوجهات لا نجد لها أثر فى الأجيال الحالية حتى الحضور والانتظام فى الدراسة أصبح شيء نادر الوجود حيث يكتفى معظم الطلاب والكثير من المدارس باللجوء إلى ما يسمى بالمجموعات الخاصة والتى تتنوع أشكالها ومسمياتها لإرهاق كاهل الأسر بتكاليف هذه المجموعات ويعاونهم فى ذلك عدم التزام النسبة الأكبر من المدرسين والإداريين بعدم الحضور إلى مقر المدارس وهكذا ينشأ جيل لا يجد من يعطيه المثل للسلوك السليم وما يترتب على ذلك من ضياع أجيال لم تجد من يوجهها إلى الطريق السليم فى كافة مناحل الحياة والسؤال العجيب الذى له أكثر من إجابة ولكن للأسف لا أحد يجرؤ على الإجابة أي كان شكلها والسؤال هو “من هو المسئول عن هذا الانحطاط الذى وصلت إليه المنظومة التعليمية” والذى يبدو واضحاً للجميع ولكل من المسئولين سواء فى الأسرة أو الاداريين أو هيئات التدريس أو القائمين على العملية التعليمية كل منهم يلقى بالمسئولية على الطرف الآخر والنتيجة الحتمية هى ضياع أجيال نظراً لتنحى الجميع عن القيام بواجبه والطامة الكبرى هى أن كثير من أولياء الأمور يسعون سواء بالطرق الشرعية أو الغير شرعية لتحقيق نجاح زائف لأبنائهم ولا يدركون أو يدركون ولكنهم يتعامون عن تلك الحقيقة أنهم بذلك يخطئون فى حق الأبناء عندما تكون وسيلة الغش هى الطريقة للحصول على ما لا يستحقون فينشأ جيل كامل ولديه عقيدة بأن الحصول على حقوق الغير ولو بطريق غير شرعى هو حق مكتسب لهم وأن ما يسمى “الضمير” أو “الأمانة” أشياء لا وجود لها مثل الغول والعنقاء والخل الوفى.
والآن ما هو الحل لتلك المعضلة ومن يملك القدرة على إعادة الأمور إلى مسارها الصحيح وأنا اعتقد بأن الحزم فى إصدار القرارات التى تلزم المسئولين عن العملية التعليمية بالحضور ومتابعة ذلك بكافة الطرق والحضور لا يعنى التواجد فقط ولكن الأهم هو التواجد الإيجابى وهو ما يعنى القيام بالعملية التعليمية بدون أى تراخى أو تردد واستخدام السلطة الحقيقية لإعادة تلك النظم إلى مسارها الطبيعى بأن يكون وجود المدرس والمسئولين والاداريين وجوداً حقيقياً مع متابعة حقيقية وجادة وإحياء قانون الكسب الغير مشروع لكافة القائمين على العملية التعليمية وما أسهل حصرهم حيث تمتلىء الشوارع والجدران بالدعوة إلى “ملك الكيمياء” و “عبقرى الفيزياء” و “أسطورة اللغة العربية” إلى أخر هذه المسميات فليكن السؤال لكل هؤلاء من أين لهم هذه السيارات الفارهة والعقارات المنتشرة والحسابات البنكية وباقى الممتلكات التى يسهل الوصول إليها بالتحرى وببساطة شديدة استطيع أن أقول أن أكثر من 90% من هذه الأموال من شقاء وجهاد أولياء الأمور لتوفير جزء للعملية التعليمية والتى ما زال يطلق عليها – بدون وجه حق – التعليم المجانى.
وأذكركم بنتاج واضح للجميع عندما كان التعليم مجانى بمعنى الكلمة حيث انتج لنا على سبيل المثال لا الحصر نابغة الطب “الدكتور مجدى يعقوب” ونابغة العلوم “المرحوم الدكتور أحمد زويل” ونابغة طب الكلى “الدكتور محمد غنيم” وهو صاحب الأسم العالمى و “المهندس هانى عازر” الذى يكفى ذكر اسمه للوقوف احتراماً لعقليته الفذة وغيرهم كثيرون فى مجال الإعلام والصحافة والمسرح والفنون التشكيلية وفى كافة المجالات.
ولا أجد ما أزيد به فى هذا المجال سوى صرخة واحدة اعيدوا التعليم إلى سياقه ومسيرته كما هو فى كافة أنحاء الدول فهو الأساس فى خلق أجيال تتحمل المسئولية فنحن ماضون إلى العالم الآخر ولكن مسئولية الأجيال القادمة هى فى رقابنا حتى نلقى الله.
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.

