د.م أحمد الزلاط يكتب : كيف صنعت مصر قوة جديدة لتصدير المقاولات إلى إفريقيا والعالم

لم يعد الحديث عن صعود شركات المقاولات المصرية في الأسواق الخارجية مجرد طموح أو أمنية، بل أصبحواقعًا يتشكل على الأرض عامًا بعد عام، مدفوعًا بخبرة عملية تراكمت داخل السوق المصرية، وبقدراتتنفيذية وهندسية أثبتت كفاءتها في مشروعات قومية عملاقة، نقلت مصر من مرحلة البناء الداخلي إلىمرحلة تصدير الخبرة والقدرة والإنجاز. واليوم، تبرز الشركات المصرية كلاعب متقدم في سوق المقاولاتالإقليمي والدولي، خصوصًا في إفريقيا، في مشهد يعكس تحولًا مهمًا في مكانة مصر الاقتصادية والفنيةعلى مستوى العالم.
ما نشهده اليوم ليس مجرد توسع لشركات، بل هو تحول استراتيجي لدولة أصبحت تمتلك القدرة علىتصدير خبرتها التنفيذية إلى العالم ، وهذا التوسع للشركات المصرية خارج الحدود لم يأتِ من فراغ، ولم يكنليحدث بهذا الزخم لولا الطفرة العمرانية والإنشائية الهائلة التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية. فحجم المشروعات التي تم تنفيذها داخل الدولة، من مدن جديدة وشبكات طرق ومحاور وكباري وموانئومطارات ومشروعات كهرباء وطاقة ومياه وإسكان ومبانٍ حكومية ومناطق لوجستية، خلق مدرسة تنفيذيةمصرية حديثة، وأعاد تشكيل قدرات شركات المقاولات بصورة غير مسبوقة.
هذه الطفرة لم تكن فقط لتطوير البنية التحتية، بل كانت تأسيسًا مقصودًا لقدرات تصديرية قادرة علىالمنافسة عالميًا .
لقد منحت هذه المشروعات العملاقة الشركات المصرية فرصة حقيقية لاكتساب خبرات متراكمة في إدارةالوقت، وضبط الجودة، وتنفيذ الأعمال في مدد قياسية، والتعامل مع مشروعات شديدة التعقيد من حيثالحجم والتخصصات الفنية والتنسيق بين الجهات المختلفة. كما أفرزت هذه المرحلة كوادر هندسية وإداريةوفنية على أعلى مستوى، قادرة على العمل في بيئات تنافسية، وعلى إدارة مشروعات كبرى وفق معاييردولية صارمة. ومن هنا، لم تعد الشركات المصرية مجرد شركات محلية تبحث عن أعمال في الخارج، بلأصبحت تمتلك من الخبرة والمرونة والكفاءة ما يؤهلها لمنافسة أسماء كبرى في السوق العالمي.
ويضيف: «الشركات المصرية اليوم لا تقل كفاءة عن نظيراتها العالمية، بل تمتلك ميزة إضافية تتمثل فيالقدرة على التنفيذ السريع بتكلفة تنافسية».
السوق الإفريقية تحديدًا تُمثل اليوم أحد أهم المساحات الواعدة أمام شركات المقاولات المصرية، ليس فقطبسبب الاحتياج الضخم لمشروعات البنية التحتية والتنمية العمرانية والطاقة والمياه والنقل، ولكن أيضًابسبب وجود تقارب جغرافي وسياسي واستراتيجي بين مصر ودول القارة. فإفريقيا ما زالت بحاجة إلىاستثمارات هائلة في البنية الأساسية، كما أن العديد من دولها تتجه بقوة نحو بناء مدن جديدة وتطويرالمرافق العامة ورفع كفاءة شبكات النقل والطاقة، وهو ما يفتح المجال واسعًا أمام الشركات التي تمتلك خبرةحقيقية في التنفيذ السريع والفعّال، وهي ميزة باتت الشركات المصرية تتمتع بها بوضوح.
إن إفريقيا ليست فقط سوقًا، بل هي عمق استراتيجي لمصر، وفرصة تاريخية لتصدير التنمية وليس فقطتنفيذ المشروعات».
ومن هنا، فإن انتشار شركات المقاولات المصرية في إفريقيا لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد توسع تجاري،بل باعتباره امتدادًا طبيعيًا لدور مصر التنموي في محيطها الإقليمي. فوجود الشركات المصرية في دولالقارة يسهم في ترسيخ الحضور المصري اقتصاديًا، ويعزز من علاقات الشراكة والتكامل، ويفتح الباب أمامتعاون أوسع في مجالات الصناعة والاستثمار والخدمات اللوجستية والتمويل والاستشارات الهندسية. كماأن نجاح شركة مصرية في تنفيذ مشروع كبير خارج الحدود لا يحقق فقط عائدًا مباشرًا لتلك الشركة، بليعزز سمعة الدولة المصرية ككل، ويمنح باقي الشركات الوطنية فرصة أكبر للدخول إلى أسواق جديدة بثقةومصداقية أعلى ، أن «كل مشروع تنفذه شركة مصرية في الخارج هو استثمار في سمعة الدولة قبل أنيكون عائدًا ماليًا».
أما على مستوى الاقتصاد المصري، فإن تصدير خدمات المقاولات يمثل مكسبًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. فهومن ناحية يوفر مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية، ومن ناحية أخرى يخلق قيمة مضافة عالية للاقتصاد الوطني،لأن ما يتم تصديره هنا ليس سلعة خام، بل خبرة هندسية وإدارية وتنفيذية متكاملة. وهذا النوع منالتصدير يُعد من أكثر الأنشطة الاقتصادية تطورًا وتأثيرًا، لأنه يعتمد على الكفاءات الوطنية، ويُحرك قطاعاتعديدة في الوقت نفسه، منها مواد البناء، والخدمات الاستشارية، والمكاتب الهندسية، والنقل، والتوريد،والتشغيل، والتدريب.
ويؤكد: «تصدير المقاولات يمكن أن يصبح أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر إذا تم تنظيمه وإدارته بشكلمؤسسي».
كما أن توسع شركات المقاولات المصرية في الخارج ينعكس داخليًا على شكل نمو في أحجام الأعمال، وزيادةفي معدلات التشغيل، وفتح فرص عمل جديدة للمهندسين والفنيين والعمالة المصرية، إلى جانب رفع تنافسيةالشركات نفسها وإجبارها على التطور المستمر في الإدارة والتقنيات ومعايير الجودة. فكلما اتسعت دوائرالعمل الخارجي، زادت قدرة هذه الشركات على التكيف مع الأسواق المختلفة، وعلى بناء هياكل مؤسسيةأكثر قوة، وعلى تحقيق استدامة مالية وفنية تجعلها أكثر قدرة على النمو محليًا ودوليًا.
ويضيف الزلاط: «الانتشار الخارجي لا يعزز فقط الاقتصاد، بل يعيد تشكيل كفاءة الشركات المصريةداخليًا».
والأهم من ذلك أن هذه الطفرة الخارجية تؤكد أن ما تم إنجازه داخل مصر لم يكن فقط بهدف التنمية المحلية،بل أصبح أيضًا قاعدة انطلاق لبناء قوة اقتصادية تصديرية جديدة. فالدول التي تريد تصدير صناعةالمقاولات لا يكفي أن تمتلك شركات مسجلة أو خبرات نظرية، بل تحتاج أولًا إلى سوق داخلية قوية تُمثلمعملًا حقيقيًا لصناعة الخبرة. وهذا ما حدث في مصر بالفعل. فالكم الهائل من المشروعات التي جرىتنفيذها داخل الجمهورية كان بمنزلة تدريب عملي واسع النطاق، أنتج خبرة مصرية ناضجة وقابلةللتصدير.
ما تحقق داخل مصر هو رأس المال الحقيقي الذي تعتمد عليه الشركات الآن في الخارج.
لقد أثبتت التجربة أن بناء المدن الجديدة، وتطوير شبكة الطرق القومية، وتنفيذ المشروعات القومية الكبرى،لم يكن مجرد إنفاق على البنية التحتية، بل كان استثمارًا طويل الأجل في تكوين قدرات وطنية ضخمة. والنتيجة أن شركات المقاولات المصرية باتت اليوم أكثر جاهزية للتعامل مع الأسواق الدولية، وأكثر قدرة علىتقديم مزيج نادر من الجودة، والالتزام، والتكلفة التنافسية، وسرعة التنفيذ. وهذه العناصر مجتمعة هيأساس أي حضور قوي في السوق العالمي.
ولا شك أن المنافسة في هذا القطاع ليست سهلة، فالسوق الدولية تضم شركات عملاقة من دول كبرى،وتخضع لمعادلات تمويل معقدة، ولمعايير فنية وقانونية صارمة. لكن ما تمتلكه مصر اليوم من رصيد تنفيذيومن خبرات متراكمة ومن دعم سياسي واستراتيجي لانفتاح الشركات الوطنية على الخارج، يجعلها فيموقع متقدم يمكن البناء عليه بقوة خلال السنوات المقبلة.
المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من النجاح الفردي إلى التخطيط المؤسسي، من خلال دعم منظومة تصديرالمقاولات بشكل متكامل، عبر توفير أدوات التمويل، وتسهيل خطابات الضمان، وتعزيز تواجد البنوكالمصرية في الأسواق الإفريقية، إلى جانب تشجيع تكوين تحالفات بين الشركات المصرية لزيادة قدرتهاالتنافسية، ودعم شركات الاستشارات الهندسية لتعمل بالتوازي مع شركات التنفيذ. كما يشدد على أهميةالاستثمار في العنصر البشري وتأهيل الكوادر لإدارة المشروعات الدولية، والتحول من دور “المقاول المنفذ”إلى “المطور والشريك الاستثماري”.
إذا تم استغلال هذه الفرصة بشكل صحيح، يمكن لقطاع المقاولات أن يتحول إلى أحد أعمدة الاقتصادالمصري، وأن يحقق عوائد كبيرة في العملة الأجنبية، ويوفر فرص عمل واسعة، ويعزز من مكانة مصر كقوةاقتصادية مؤثرة في إفريقيا والعالم».
إن صعود شركات المقاولات المصرية في إفريقيا والعالم ليس مجرد نجاح قطاعي محدود، بل هو انعكاسلتحول عميق في قدرات الدولة المصرية نفسها. فمصر اليوم لا تبني فقط داخل حدودها، بل تُصدّر خبرتها،وتشارك في بناء مستقبل دول أخرى، وتعيد صياغة دورها كقوة اقتصادية فاعلة في محيطها الإقليميوالدولي.
وما تحقق حتى الآن ليس سوى بداية… يمكن أن تتحول إلى قصة نجاح اقتصادية كبرى إذا ما أُحسنإدارتها واستثمارها.
إقرأ المزيد ،،
د.م حماد عبدالله يكتب: مصر التي في خاطري !!



