م . عباس محمود يكتب : ذكريات رمضانية منذ الطفولة وحتى الآن

منذ بداية الخمسينات من القرن الماضى كان قدوم رمضان يحمل معه الكثير من البهجة والفرح ، وكنا كأطفال نسعى إلى الحصول على فانوس رمضان الذى يضيء باستخدام الشمع ، ولم تكن بدعة الأشكال قد وصلت إلى مصر وكانت كل الفوانيس تتشابه والإختلاف الوحيد بأن يكون إما الشكل التقليدى المخروطى أو شكل الدائرة أو شكل كرة ويصنع الفانوس من هيكل من الصاج الرقيق والجوانب كلها من الزجاج الملون بألوان مختلفة وله باب لوضع الشمعة بالداخل .
وكنا كأطفال نحمل الفوانيس المضاءة بالشمع ونسير فى الطرقات ننشد الأغانى التى تعبر عن الاحتفال بقدوم الشهر المبارك وأيضاً نسأل الجيران بالأغنية الشهيرة “أدونا العادة الله يخليكم” ليقذفوا لنا من الشرفات والبلكونات بقطع الحلوى أو بعض المكسرات التى كانت متوفرة فى ذلك الوقت ويستمر السير مخترقين الشوارع الجانبية والأزقة والحارات فى مجموعات لا تقل عن عشرة من الأطفال فى كل مجموعة ندور حول المنازل مرددين الأغانى التى تتناسب مع مرحلة السن التى تتراوح بين 5-10 سنة وتنتهى الجولة حين تحترق شمعة كل واحد منا وتصل إلى النهاية فنعود إلى منازلنا بعد هذه الجولة وعند العودة نبدأ فى تناول الحلوى والتى كانت تصنع فى المنزل ولم تكن محلات الحلوي قد انتشرت وكنا نتناول الكنافة المصنوعة فى المنزل فى صوانى وقد تكون محلاة ببعض الياميش أو بدونه وكذلك كانت قطع القطايف المحشوة وفى أحيان أخرى يكون الحلو هو طبق مهلبية أو أرز بلبن وكانت هذه الأصناف هى المعروفة والموجودة فى المنازل حيث أن الشراء من محلات الحلوى يعتبر إهانة لسيدة المنزل .
بعد ذلك تتجمع العائلة حول جهاز المذياع “الراديو” لسماع البرامج وكان التجمع يضم الكثير من الجيران حيث يجتمعون يومياً فى أحد المنازل للسمر وتبادل الأحاديث فى شتى النواحى وكان الشعور بأن سكان المنزل الواحد وهم غالباً لا يزيدون عن عشر وحدات سكنية فى المنزل ولكن تشعر بأنهم عائلة واحدة ناهيك عن تبادل الأطباق لتحاول كل ربة منزل أن تظهر مهاراتها فى صناعة صنف الطعام الذى توزعه على الجيران قبل الإفطار بدقائق وهكذا تدور كافة الأصناف ما بين الأسر المختلفة مما يجعل الروابط الاجتماعية تشكل عائلات وعلاقات ليست بالدم ولكن بالتواصل والحرص على تبادل الزيارات والوقوف كعائلة واحدة فى المناسبات السارة وأيضاً إذا ألم بإحدى الأسر طارئ ما وهكذا كانت جميع الأسر تتواصل دون أى تميز طبقى أو اجتماعى أو دينى.
واستمرت هذه الأوضاع طوال فترة الخمسينات وبدأ التغيير يكون واضحاً منذ بداية الستينات حيث انتشرت المحلات التجارية المتخصصة فى صناعة الحلوى وبدأت الكثير من السيدات تلتحق بالوظائف الحكومية مما أثر على التفرغ للأعمال المنزلية وكان من الأيسر الاستعانة بالمحلات المتخصصة فى صناعة الحلوى الشامية بعد قيام الوحدة بين مصر وسوريا وبطبيعة الحال أثرت كل هذه العوامل على العلاقات الاجتماعية مع التطور فى الشارع المصرى وصاحب ذلك بدء الإرسال التليفزيوني الذى استحوذ على الكثير من اهتمامات الشارع المصرى لمتابعة المسلسلات والبرامج الرمضانية التى كانت تجتذب الكثير من المشاهدين وتقلصت اللقاءات الأسرية طبقاً لكل هذه العوامل واستحوذت المقاهى والنوادى على أنشطة الشباب ومتوسطى السن وعلى اللقاءات الرمضانية وتقلص دور البيت بشكل كبير وحتى الفوانيس الرمضانية الخاصة بالأطفال أصبحت تضاء باللمبات الصغيرة وباستخدام البطاريات الجافة وتغير الشكل العام فى صناعة الفوانيس لتصبح على شكل طائرات وسفن وشخصيات تليفزيونية من برامج الأطفال وازداد إقبال الرجال على المساجد فى رمضان وخاصة لأداء صلاة التراويح.
أما مرحلة السبعينات وما بعدها فقد أصبح قدوم شهر رمضان يتزامن مع عرض المسلسلات التليفزيونية بطريقة تسبب لمن يحاول أن يتابعها كمن يدخل فى متاهة من المتاهات الشهيرة الموجودة فى الكثير من الملاهى ولا يمكن لإنسان طبيعى أن يتابع حتى نصف هذه المسلسلات ناهيك عن المسابقات والبرامج الدينية وبرامج اللقاءات الفنية مما يصيب المشاهد العادى بحالة تشبع كامل.
وذلك لا ينفى أن من مظاهر رمضان التى استمرت طوال هذه الحقبة الطويلة هو الاهتمام بأداء الشعائر الدينية كما لو كانت هذه الشعائر خاصة برمضان فقط وذلك يبدو واضحاً فى عدد المصلين فى المساجد فى جميع الأوقات فى رمضان وأيضاً فى هذا الكم من التكافل الاجتماعى من الأفراد القادرين من توزيع ما يسمى بشنطة أو كرتونة رمضان على الأسر المحيطة بهم لسد احتياجات الشهر الكريم مما يدخل السعادة على كل من العاطى والمعطى له.
ونجد ارتباط رمضان على مدى سنوات طويلة ببعض الأطعمة وخاصة الحلوى حيث أنه من التقاليد الرمضانية ما يسمى بقمر الدين فى صورتيه السائلة والمطبوخة وبلا شك أن صينية الكنافة بشكلها التقليدى وحبات القطايف التقليدية لم تتمكن الأصناف الدخيلة مثل تطعيمها بالمانجو أو الفواكه من زعزعة مكانتها الرمضانية ولا ننسى فى هذا السياق المشروب الرمضانى الشهير والذى يطلق عليه “الخشاف” والذى يتكون من التمر الجاف والتين الجاف والقراصيا والمشمشية والزبيب.
وينتهى شهر رمضان بشيئين اساسيين هما كعك العيد وملابس العيد مما ينشر الفرحة بين الأطفال والشباب بهذين التقليدين.
كل شهر رمضان وأنتم بخير ونسأل الله لجميع المصريين أن تكثر الاحتفالات الدينية والوطنية وأن ينعم الله علينا جميعاً بالستر والرضا.
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية

