إبراهيم طه.. يكتب: القواعد تتغير.. فهل تمتلك مصر أوراق اللعبة الجديدة؟

القواعد تتغير.. فهل تمتلك مصر أوراق اللعبة الجديدة؟
لا تشبه اللحظة التاريخية التي نعبرها اليوم أي لحظة سابقة.. نحن لا نعيش مجرد تصعيد عابر، بل نحن في قلب مخاض جيوسياسي لنظام عالمي جديد.. والمخاض، كما نعلم، عملية مؤلمة ومحفوفة بالمخاطر، لكنها ضرورية للولادة.. تتهاوى تحالفات كانت تبدو أبدية، وتظهر تحالفات جديدة على أنقاضها.
في هذا المشهد المتشابك، تبدو المنطقة العربية وكأنها رقعة شطرنج كبرى، تتحرك عليها أحجار القوى الدولية ببرود، فيما تتراقص مصائر الشعوب على إيقاع سياستها الباردة.. والسؤال المصيري الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام إعادة تشكيل كاملة لخارطة المصالح؟
والإجابة، من وجهة نظري كمحلل يتتبع نبض المنطقة: نعم، ولكن مع فارق جوهري؛ هذه المرة، لا يقف أحد متفرجاً.
التحدي الأول: الحرب في الظل أقوى من الرصاص
لطالما ارتبط مفهوم الأمن القومي في الأذهان بالحدود والجيوش والدبابات.. لكن الرقمنة قلبت المعادلة رأساً على عقب. فاليوم، يمكن لهجوم إلكتروني مدروس أن يشل شبكة كهرباء وطنية، أو يهز ثقة المواطنين في نظامهم المصرفي، دون أن تعبر دبابة واحدة حدوداً أو تُطلق رصاصة واحدة.. هذا هو جوهر الجبهة الرقمية، أو الحرب السيبرانية، التي حولت الفضاء الإلكتروني إلى ساحة قتال رئيسية.
واجهت مصر، بحكم موقعها المحوري وثقلها الاستراتيجي، موجات متتالية من هذه الهجمات، لكن الاستجابة الاستباقية للإدارة السياسية كانت لافتة ووطنية من الطراز الرفيع.. إنشاء المركز الوطني للأمن السيبراني لم يكن خطوة تقنية فحسب، بل كان إعلاناً سياسياً واضحاً: إن سيادتنا تمتد إلى فضاءنا الرقمي.
لقد تحول مفهوم الحدود السيادية من خط جغرافي مرسوم على الخرائط ليصبح يشمل شبكات البيانات والخوادم ومراكز التحكم.. مليارات الجنيهات التي تم ضخها في بناء حصون رقمية وطنية وتدريب كوادر متخصصة، أثمرت عن إحباط عشرات الهجمات المعقدة.. ومع ذلك، يظل السباق محموماً مع تطور تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي الهجومي، مما يفرض حالة مستمرة من الاستنفار التقني والابتكار الدفاعي.
التحدي الثاني: دبلوماسية النيل.. عندما تصبح قطرة مياه أداة للضغط
إذا كانت الحرب السيبرانية تمثل الوجه الحديث للصراع، فإن أزمة المياه تذكرنا بأقدم أشكال التحدي الوجودي.. هنا، يتحول المورد الحيوي إلى أداة جيوسياسية، وتتحول الدبلوماسية إلى معركة للبقاء.. أزمة سد النهضة الإثيوبي هي النموذج الأكثر وضوحاً لما يسمى بـ «سياسات الهيدرو-جيوبوليتكس»، حيث تُستخدم السيطرة على مصادر المياه كوسيلة للضغط السياسي والتفاوض.
وأظهرت مصر في هذا الملف براعة في الدبلوماسية متعددة المسارات.. لم تقتصر على المفاوضات الثنائية أو الثلاثية المباشرة، بل انخرطت في دبلوماسية نشطة على مستوى إقليمي ودولي.. لقد عملت على بناء تحالفات مع دول حوض النيل، وتعزيز التعاون مع المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الأفريقي، وإدارة حوار قوي مع المجتمع الدولي.. هذا النهج حوّل التحدي من مجرد نزاع تقني حول كميات المياه، إلى قضية تتعلق بـ «الاستقرار الإقليمي وحقوق الحياة» لأكثر من مئة مليون مواطن مصري.
إن ما يُسمى بـ «الأمن المائي» لم يعد ترفاً، بل أصبح ركيزة أساسية للأمن الغذائي والصحي والاجتماعي ككل. الاستثمار في مشروعات الري الحديث وتحلية المياه وإعادة استخدام المياه المعالجة هو جزء من استراتيجية تنموية أمنية متكاملة، تهدف إلى تحصين الداخل وخلق حقائق جديدة تقلل من هشاشة الموقف التفاوضي.
التحدي الثالث: الإرهاب وأعماقه غير المرئية
يقولون إن الحرب الحديثة هي حرب سرديات.. وهذا ينطبق بشكل صارخ على معركة مصر مع الإرهاب.. لقد نجحت القوات المسلحة المصرية، ببطولات معروفة، في تحرير أراضٍ واسعة في سيناء من براثن التنظيمات المتطرفة.. لكن الصورة التي تقدمها بعض وسائل الإعلام التقليدية، عندما لا تلتزم بالدور المهني المسؤول، قد تسهم – دون قصد – في تعقيد التحديات بدلاً من حلها وغالباً ما تكتفي بهذا الوجه من المعركة، وتغفل الجذور الاقتصادية والاجتماعية العميقة لهذه الظاهرة.
هنا، قدمت الرؤية الاستراتيجية المصرية نموذجاً فريداً في مكافحة الإرهاب الشاملة.. لم يكن الرد عسكرياً بحتاً، بل كان تنموياً-أمنياً في آن واحد.. لقد فهمت القيادة السياسية أن الرصاص قد يوقف الإرهابي، لكنه لا يوقف عملية «التجنيد الفكري والاجتماعي».. لذلك، جاء الاستثمار الضخم في مشروعات مثل تنمية سيناء، ومدن القناة الجديدة، والبنية التحتية في المناطق الحدودية، كجزء لا يتجزأ من خطة الأمن القومي.. لقد حوّلت هذه المشاريع الجبهة الداخلية من بيئة خصبة للتطرف إلى ساحة للبناء والأمل.. هذا هو جوهر «الاستراتيجية المضادة للتطرف» التي تجمع بين القوة الصلبة «العسكرية والأمنية» والقوة الناعمة «التنمية والاندماج الوطني».
التحدي الرابع:السياسات الدولية: المشي على حبل بين العملاقين
لا يمكن فهم أي من هذه التحديات بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. نحن نعيش لحظة تحول قطبي، حيث تتنافس القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، على النفوذ في الشرق الأوسط. في هذه البيئة المعقدة، تتبنى مصر ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن الاستراتيجي».
فهي تحافظ على شراكة استراتيجية قديمة مع الولايات المتحدة في المجالات العسكرية والأمنية، بينما تبني في الوقت نفسه شراكات اقتصادية وتقنية عميقة مع الصين، وتتعاون مع روسيا في مجال الطاقة النووية السلمية من خلال محطة الضبعة.
هذا ليس انتهازية، بل هو «فن إدارة التحالفات» في عالم متعدد الأقطاب.. الهدف هو حماية المصلحة الوطنية العليا، وعدم الانجرار إلى تحالفات حصرية قد تحول البلاد إلى ساحة لصراعات بالوكالة.. كما عززت مصر من دورها كـ«وسيط إقليمي موثوق»، سواء في ملفات مثل ليبيا أو فلسطين، مما يرفع من رأس مالها السياسي ويعزز موقعها كفاعل مستقل ومطلوب.
التحدي الخامس :الوحدة الوطنية.. الحصن الذي لا يقهر
يا سادة.. بعد تفكيك كل هذه الطبقات من التحديات، نصل إلى جوهر الأمر: الجبهة الداخلية.. كل استراتيجيات الردع السيبراني، والدبلوماسية المائية، والحرب الشاملة على الإرهاب، ودبلوماسية التوازن، تبقى هشة إذا لم تكن مبنية على أساس صلب من التماسك المجتمعي والشرعية الوطنية.
وبالمناسبة، أخطر تهديد قد يواجه الأمن القومي المصري اليوم ليس بالضرورة قوة خارجية معادية، بل قد يكون الفجوة المعرفية، والحرب النفسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستهداف الوعي الجمعي. لذلك، فإن الاستثمار في التعليم، والبحث العلمي، والخطاب الوطني الموحد، والمشروعات التنموية التي تلمس حياة المواطن، هي في صميم سياسات الأمن القومي الحديثة.. فالنمو الاقتصادي الذي تحقق رغم الصعوبات العالمية ليس رقمًا في تقرير مالي، بل هو ضامن للاستقرار الاجتماعي، والاستقرار الاجتماعي هو الوقود الذي يدفع آلة الدولة قدماً في مواجهة العواصف الإقليمية.
لقد نجحت مصر حتى الآن في الملاحة بمهارة في هذه المياه الدولية المضطربة، محولة التحديات إلى فرص، والمخاطر إلى منصات للقفزة التالية.. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: «هل نملك كمجتمع وكمؤسسات الدولة المرونة الكافية والقدرة على التكيف لمواصلة هذه الرحلة في عالم لا يرحم إلا الأقوياء والأكثر ذكاءً واستعداداً؟»
الإجابة تكمن في قدرتنا الجماعية على فهم أن الأمن القومي لم يعد شأناً عسكرياً أو أمنياً بحتاً، بل هو مشروع وطني جامع، تشارك فيه كل وزارة، كل مؤسسة، وكل مواطن في موقعه.. فهل من مجيب؟!
أقرأ أيضاً
إبراهيم طه.. يكتب: سعيٌ «خيرٌ» رحمة على القضبان
إبراهيم طه.. يكتب: من الجرارات إلى الكوادر.. أسرار نهضة السكك الحديدية


