م . عباس محمود يكتب : من ذكريات الطفولة ـ كباب جدتى

من ذكريات الطفولة ـ كباب جدتى
أذكر أن من ضمن التقاليد التى كانت متبعة فى بيت جدى أن تجتمع الأسرة والتى كانت تتكون منى وجدى وجدتى وأعمامى وعمتى حيث كان جميع الأعمام والعمة وأنا طبعاً نقيم فى نفس المنزل ولم يكن أحد من أعمامى أو عمتى قد تزوج بعد وكنا نجتمع جميعاً على مائدة الغذاء وكان سؤالى عندما أعود من المدرسة “ها نتغدى إيه يا نينة” وكانت تجيب بأنواع ما سوف يقدم لنا فى وجبة الغذاء والتى تحتوى غالباً على صنف من الخضروات المطبوخة ومعه أرز أو مكرونة – حسب الحالة – وأحد أصناف البروتين سواء لحماً أو طيور بجانب طبق من السلطات المتنوعة طبقاً لنوعية الطعام وبعض الأيام يقدم لنا السمك مرة أو مرتين على الأكثر فى الأسبوع وهذا شيء عادى فى معظم البيوت القاهرية ولا يوجد فيه أى غرابة وفى يوم غير محدد من أيام الأسبوع كانت الجدة الحبيبة تفاجئنا وتقول “الغذاء اليوم كباب” وما أدراكم ما هو الكباب الذى تقصده.
كان كباب جدتى عبارة عن عدة أطباق صغيرة أمام كل فرد دون أى تمييز موضوع بها كمية من دقة السمسم ولمن لا يعرفها هى نوع من المقبلات كانت تصنع من السمسم كأساس يضاف إلى خليط من الحمص والفول السودانى والكزبرة الناشفة والكمون والملح وقليل من الشطة حيث يتم تحميص كل المكونات – ما عدا السمسم الذى يتم تحميصه على حدة دون طحنه – إلى أن يصبح لون المكونات بنياً ثم تطحن هذه المكونات وتصبح فى صورة بودر ويضاف إليها السمسم وتقدم لنا لتكون الوجبة الوحيدة فى ذلك اليوم مع الخبز ولم يكن أحد من الأسرة يملك حق الاعتراض أو طلب تغيير الصنف وكنا نجلس جميعاً نتناول غذاءنا من الخبز والدقة بما فينا جدى وكان هذا التقليد يمثل لى علامة إستفهام كبيرة لأن ما أعلمه أن تقديم هذه الوجبة بهذا الشكل مرة واحدة فى الأسبوع أو كل عشرة أيام ليس بدافع التوفير أو الإقتصاد فى المصاريف فالحمد لله كانت الأسرة ميسورة الحال إلى حد كبير ولا تعانى من أى ضائقة مالية وهكذا ظل السؤال معلقاً فى ذهنى حتى إنتهاء فترة الدراسة الجامعية وعملى وبعد أن أصبح لى دخلى المستقل ورغم ذلك ظل السؤال معلقاً أمامى.
وفى أحد الأيام وأنا جالس مع جدتى وكنت استريح للحوار معها قلت لها “عندى سؤال مش عارف ألاقى إجابة عليه” فقالت لى بحنو افتقده كثيراً الآن “أسأل يا حبيبى زى ما أنت عايز” وقلت وأنا اتحسس كلماتى حتى لا يصدر عنى كلمة أو لفظ غير لائق “أنا أدرك تماماً أننا كنا لا نعانى أى ضيق مادى بأى صورة وأنا أسأل الآن ما هى قصة الكباب الذى كان يقدم لنا كل أسبوع أو عشرة أيام على الأكثر فى صورة خبز ودقة ولا شيء سواهما فى وجبة الغذاء” فقالت لى وقد غطت الإبتسامة وجهها “كان هدفى أن تتعودوا على التعايش فى حالة لا قدر الله أن تمر بكم ظروف مادية قاسية وحتى تعلموا أن مجرد وجود الخبز والملح فهى نعمة وعطاء من الله وكنت أحاول أيضاً أن أكسر فيكم التمرد وأن تشعروا بأن ما أنتم فيه هو بحبوبة من العيش بالمقارنة بما يعانيه الفقراء وقد يضع ذلك فى قلوبكم ما هو مطلوب من الرحمة لمن لا يملكون ما تملكونه من خيرات الله وأن وجود وجبة خالية من الأطعمة العادية ليوم واحد لن تؤذى أبدانكم ولا تؤذى نموكم بالعكس فأن فى الصوم منافع كثيرة للجسم والعلوم الطبية تؤكد ذلك وإذا نظرتم إلى جيراننا المسيحيين فإنهم يصومون أكثر من نصف أيام العام ومع ذلك تجدهم فى صحة جيدة”.
وكان هذا درساً للتعامل فى الحياة فى أوقات الرخاء وأوقات الشدة دون الشعور بالنقص أو الحرمان أو التمرد على نظام الحياة عموماً.
رحم الله الأباء والأجداد الذين كانوا يجيدون تربية أبنائهم بالفطرة
وإلى لقاء جديد مع ذكريات الطفولة … إن كان فى العمر بقية
اقرأ ايضاً
م . عباس محمود يكتب : المهندس اللمض و سليمان متولي .. ووزير نقل ألمانيا الشرقية
م . عباس محمود يكتب : من مقهي وبار إلي مركز إشعاع وطني


