م . عباس محمود يكتب : شخصيات لن تتكرر ـ مجدى عبد الملك ميخائيل 1942 – 2015

يعتبر مجدى عبد الملك من أواخر السبعينات وحتى وفاته فى 2015الراعى الأشهر للمثقفين المصريين من خلال الأنشطة التى مارسها فى “مقهى ريش الشهير” وكانت بدايته عندما ألتحق بالقوات المسلحة كضابط احتياط بالقوات الجوية حيث عمل كطيار مقاتل على إحدى الطائرات المروحية “الهليكوبتر” وشارك فى حرب أكتوبر 1973 وكان ضمن الطائرات التى قامت بضرب الدبابات الإسرائيلية وإعاقة وصولها إلى القناة حتى يتم العبور.
وبعد أن أنتهت الحرب ألتحق بالعمل فى مكتب المهندس الإستشارى الشهير/ حسين صبور وعمل كمدير إدارى حتى منتصف الثمانينات، وبعد وفاة والده الذى كان يملك المقهى الشهير “كافيه ريش” ترك العمل فى المكتب الإستشارى وتفرغ تماماً لإدارة هذا المكان حيث بدأ رحلة استكشاف هذا المكان وتاريخه القديم الذى يعود إلى بداية القرن العشرين وبدأب شديد وصبر طويل بدأ يمسك بالخيوط المتشعبة ويبحث فى كافة الأرشيفات القديمة سواء سجلات وزارة الداخلية فى بداية القرن أو سجلات الشهر العقارى حيث وثق تاريخ المكان.
وكانت علاقتى به قد توطدت فى منتصف التسعينات حيث قمت بعمل التعديلات للإنتهاء من مشكلة المياه الجوفية التى كانت تهدد المكان وفى أثناء هذا العمل – والذى يحتاج إلى كتاب مستقل – تم العثور على المطبعة الموجودة فى القبو أسفل المقهى والتى ثبت أنها المطبعة اليدوية التى تم استخدامها فى طبع منشورات الجهاز السرى للفدائين فى أثناء ثورة 1919 وما بعدها، كما قام بتوثيق رواد المقهى وتوثيق وجود مسرح ملحق بالمقهى عن طريق الجرائد التى كانت تصدر فى ذلك الوقت ومن أهم الأشياء التى تم توثيقها – من خلال إعلانات الجرائد التى كانت تعلن عن وجود حفلات وتدعو الجمهور للمشاهدة – هو المسرح والذى عرضت على خشبته مسرحية “هل تحبين إيميلى” بطولة السيدة/ فاطمة اليوسف “روزاليوسف فيما بعد” والتى تزوجت من الفنان محمد عبد القدوس فى أثناء عرض المسرحية والذى نتج عن زواجهما الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس، كما قام بالغناء على هذا المسرح فى هذه الفترة أبو العلا محمد “أستاذ أم كلثوم فى الغناء” كما غنت على هذا المسرح الأنسة/ أم كلثوم حيث أقيمت لها ثلاث حفلات بتواريخ مختلفة موثقة فى صفحات الجرائد، كل هذه الأشياء دفعت مجدى أن يخوض أكثر فى تفاصيل تاريخ المكان ودوره الثقافى والوطنى حيث أثبت بالصورة وشهود العيان إنتظام الكاتب/ نجيب محفوظ “صاحب نوبل” فى الحضور إلى المقهى كل صباح لتناول فنجان القهوة وأثبت بكل الوسائل المتاحة له إن رواد المقهى كان منهم الفنانين سليمان نجيب، أنور وجدى وغيرهم من أشهر الفنانين ومن الشعراء الذين كانوا يعتبرون مقهى ريش العنوان المختار لهم حيث كانت تصل جميع رسائلهم على عنوان مقهى ريش – من أشهر هؤلاء الشعراء والكتاب مع حفظ الألقاب – عبد الرحمن الأبنودى، سيد حجاب، الشاعر العراقى خيرى منصور، أحمد عبد المعطى حجازى، أمل دنقل، نجيب سرور، يحيي الطاهر عبد الله، أحمد فؤاد نجم، محمد الفيتورى، صلاح عبد الصبور. ومن وزراء الثقافة الذين كانوا يرتدون المقهى فاروق حسنى، د. جابر عصفور، د. محمد صابر عرب ومن الكتاب والصحفيين كل من الأساتذة أحمد الجمال، محمود صلاح رئيس تحرير آخر ساعة، ماهر الدهبى جريدة الأهرام، نبيل عبد الفتاح وغيرهم كثيرون. ومن الأدباء بهاء طاهر، إبراهيم عبد المجيد وغيرهم كثيرون.
وكان من التقاليد التى وضعها مجدى عبد الملك إبتداءً من سنة 2000 حتى وفاته إفطار يوم الجمعة حيث كان يقوم بدعوة جميع الأصدقاء بمختلف توجهاتهم السياسية والفنية والثقافية إلى إفطار يوم الجمعة حيث تقام مؤدبة تحتوى على كافة الأصناف وأنواع الأطباق لتقدم للمدعوين مجاناً حيث يمتد الإفطار من العاشرة صباحاً حتى الساعة الواحدة ظهراً وكم كان إفطار يوم الجمعة محفلاً ثقافياً يتبادر فيه الجميع لتبادل الآراء فى كافة الموضوعات السياسية والفنية، ومما يذكر أن من أهم الرموز الفنية التى كانت تأتى إلى إفطار الجمعة الفنان عزت العلايلى، الفنانة نهير أمين، الفنانة الجميلة نادية لطفى، الفنان محمود الحدينى، المطرب النوبى محمد حمام، ولا يتسع المجال لذكر كافة الأسماء.
تلخيصاً لكل هذا فقد كان مجدى عبد الملك حريصاً على أن يؤكد على الدور الفنى والثقافى والوطنى لهذا المكان مدعوماً بالكثير من الوثائق والمستندات التاريخية التى لا يعلم أحد ما مصير هذه الوثائق الآن.
رحم الله صديقى مجدى عبد الملك وأثابه بقدر ما قدم للثقافة والوطن دون أن ينتظر أى عطاء بل كان دائماً هو صاحب اليد العليا.. وعزاء إلى كافة المثقفين والوطنيين فى مصر.
وإلى لقاء … إن كان فى العمر بقية.


