م . عباس محمود يكتب : شخصيات لن تتكرر ـ الفارس/ خالد محيى الدين 1922 – 2018

كان خالد محيى الدين ينتمى إلى عائلة معروفة بمدينة كفر شكر محافظة القليوبية وهو ضابط مصرى بارز وكان برتبة صاغ عند قيام ثورة 23 يوليو 1952 وكان عضواً فى مجلس قيادة الثورة ولعب دوراً كبيراً فى ليلة 23 يوليو.
بدأت الخلافات بينه وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة عندما طالب بتطبيق الديموقراطية وعودة الجيش إلى ثكناته العسكرية وعدم إنغماس الجيش فى السياسة مما دعى إلى نفيه خارج مصر حيث أختار منفاه فى سويسرا والتى أقام بها لمدة ثلاث سنوات اعتباراً من 1954 حتى نهاية عام 1956 وبعد عودته من المنفى لم يحاول الإنخراط فى العمل السياسي مرة ثانية وإن لم يتوقف عن متابعة ما يحدث فى مصر.
وعند فتح المنابر السياسية فى منتصف السبعينات تولى خالد محيى الدين رئاسة منبر اليسار والذى تحول بعد ذلك إلى حزب التجمع الوطنى وظل رئيساً له حتى عام 2003 ، عندما أعلن في المؤتمر للحزب تخليه عن رئاسة الحزب وأنتخب الدكتور رفعت السعيد خلفا له .
وفى هذه الفترة أصدر عن طريق الحزب جريدة الأهالى والتى كانت تقود معارضة النظام و إتخاذ المسار اليسارى فى وقت كانت فيه الدولة وأجهزتها الرسمية تدعو إلى الإنفتاح الاقتصادى وإلغاء كافة السياسات الإشتراكية وقد أصدر فى منتصف الثمانينات كتاباً بعنوان «الآن أتكلم ».
وفى هذا الكتاب يروى الكثير عن بداية إنخراطه فى تنظيم الضباط الأحرار وعما حدث تحديداً فى ليلة 23 يوليو ثم يستمر فى رواية الأحداث التى مرت به وموقفه منها، ويتميز هذا الكتاب ،،وهذا ما دفعنى إلى تصنيفه أنه من الشخصيات التى لن تتكرر – بالوضوح والمصداقية حيث أن الكاتب لم يدعى فى رواياته عن الأحداث التى مر بها دور البطل أو صاحب المواقف التصادمية وقدم تحليلات منطقية وتتماشى مع المنطق وما هو معروف للأغلبية.
هذا الرجل كان عاشقاً لمصر وكانت له رؤية تختلف وقد تصطدم مع الكثيرين ممن كانوا فى مناصب ولم يدعى يوماً أو يذكر طوال صفحات الكتاب أية مواقف عنترية وكان يؤمن بأن مصر تستطيع وأن الشعب المصرى رغم ما يظهره من إنصياع للأزمات إلا أنه يحمل فى داخله كافة الحلول الممكنة والغير متوقعة للخروج من هذه الأزمات.
خالد محيى الدين لم يسعى يوماً لتولى منصباً رسمياً بصورة أو بأخرى ولم يطلب يوماً أى نوع من الإمتياز لشخصه وحتى عندما أنشيء الحزب لم يفعل كما فعل الكثيرون بإستغلال هذا الحزب فى المصالح الشخصية وقد يكون ذلك – علاوة عن قناعاته الشخصية – بسبب إنتماءه لأسرة معروفة بجذورها الثرية إلى حد ما ونشأته فى أواسط الريف المصرى بتقاليده المتوارثة والتى غرست فيه الكثير من العادات المتوارثة عن المصريين منذ آلاف السنين.
ومن أهم أراءه أن غياب الرؤية المشتركة بين الضباط الأحرار أدى إلى وجود صراعات داخلية كانت تظهر للعامة وتثير التساؤلات عما يحدث وزيادة نفوذ الجيش على حساب السلطة المدنية جعل الكثير من القرارات تحسم بالقوة وليس بالحوارات.
والكتاب كان نموذجاً لمذكرات تكشف عن معلومات لا يملكها إلا صاحب المذكرات وأستطيع أن أدعى أن مقر عملى على بعد خطوات قليلة من المقر الرئيسى لحزب التجمع كان له أثر كبير
فى حضورى للكثير من فعاليات الحزب التى كان السيد/ خالد محيى الدين يترأسها مما أتاح لى فرصة للتعرف على أسلوبه وإتجاهاته الفكرية التى كانت تتماشى كثيراً مع قناعاتى السياسية.
هذا الرجل هو نموذج – بالنسبة لى على الأقل – للثائر الهادئ والذى لم يحصل على ما يستحق من إلقاء الضوء على مسيرته التى استمرت لأكثر من 65 عاماً من العمل السياسي الهادئ والمنظم دون أن يشوب هذه المسيرة أى منحى للحصول على مكاسب شخصية بأى صورة من الصور.
تحياتى واحترامى لروحه وسيرته العطرة.
وإلى لقاء آخر مع شخصيات لن تتكرر…….

