م . عباس محمود يكتب : شخصيات لن تتكرر ـ الأستاذ الدكتور ـ محمود أمين العالم 1922 – 2009

يعد الأستاذ/ محمود العالم من أهم رموز الفكر القومى اليسارى فى مصر والمنطقة العربية ولا أتجاوز إن قلت وفى الشرق الأوسط بأكمله وهو من مواليد حى الدرب الأحمر وهو الحى الذى يتميز بثرائه فى وجود آثار العصر المملوكى مروراً بالأسرة العلوية مما كان له أبلغ الأثر فى تكوين الشخصية التى نتحدث عنها. وهو حاصل على ليسانس الفلسفة عام 1944 من كلية الآداب جامعة فؤاد الأول – جامعة القاهرة حالياً – وعمل بالتدريس فى الجامعة إلى جانب اهتمامه بأعمال النقد الأدبى وكتاباته فى بعض الصحف فى ذلك الوقت وانخرط فى الحركة اليسارية المصرية حيث ارتبط أسمه بالحركة الديموقراطية للتحرر الوطنى “حدتو”وهى من أهم التنظيمات فى تاريخ اليسار المصرى مما أدى إلى تعرضه للسجن والفصل من العمل مرات عديدة بسبب أفكاره السياسية ولكن هذا لم يمنع من أن يكون من المنظرين بالواقعية فى الأدب العربى والمدافعين عن الحرية والعدالة الإجتماعية طيلة حياته وكان يركز فى كتاباته على علاقة الأدب والإبداع والواقع الإجتماعى فى سياق الحريات والتقدم ومن أبرز الكتب التى صاغها مع صديق مسيرته الدكتور/ عبد العظيم أنيس كتاب “الثقافة المصرية” – ولهذا موضوع مستقل – ومن أعماله الإبداعية كتب “قراءة فى الواقع” “المثقفون والسلطة” وغيرها.
دافع طوال مسيرة حياته عن حقوق العمال والفلاحين وعن مبدأ العدالة الإجتماعية وطالب بتنظيم دور الدولة فى تحقيق المساواة ومقاومة الفساد وكان يرفض طوال مسيرته أى شكل من أشكال القمع السياسي والمطالبة دائماً بدولة مدنية ديموقراطية ومن آراءه أن المثقف الحقيقى هو ضمير المجتمع وكان داعماً للمقاومة ضد الإستعمار البريطانى ومن آراءه أيضاً أن الحرية لا تكتمل إلا بالحرية الإقتصادية والحرية الإجتماعية للمواطن.
ورغم دعمه للإصلاحات الإجتماعية التى قامت بها ثورة 23 يوليو إلا أنه كان ينتقد بشدة تقييد الحريات وهيمنة السلطة على المثقفين مما عرضه للسجن أكثر من مرة والفصل من العمل. وفى فترة حكم السادات كان له موقفاً واضحاً من سياسة الإنفتاح الإقتصادى والقضاء على إنجازات الصناعة المصرية.
وفى فترة مبارك استمر على نفس الوتيرة من معارضة القمع السياسي كما هاجم تزييف الإنتخابات والدفاع عن الديموقراطية وإستقلالية المثقفين وتبنى الدفاع عن القضية الفلسطينية والوحدة العربية.
ومن أهم أقواله أنه لا حرية بدون عدالة إجتماعية ولا ثقافة دون حرية وأن المثقف هو ضمير المجتمع ولا يمكنه الصمت أمام الظلم وأن المثقف الحقيقى هو الذى يختلط بالناس ولا يجلس للمراقبة من برج عال.
وقد كتب مئات المقالات عن تلك الموضوعات وكانت آراءه ومواقفه ومقالاته سبب أساسى فى منعه من الكتابة والعمل مراحل طويلة ورغم ذلك لم يتخلى عن مطالبته بحقوق الطبقات المهمشة.
ويكفى أنه لم يسعى يوماً ما لتولى منصباً سواء كأستاذ جامعى أو حتى فى الصحافة أو فى المناصب السياسية رغم أن هذا كان متاحاً له خاصة فى فترة الستينات ولكنه فضل الإلتزام بقناعاته الفكرية عن أى مغريات ويكفى أنه علامة بارزة من علامات الوطنية المصرية.
رحم الله الأستاذ/ محمود العالم المثل والقدوة التى يجب أن يحتذي بها الكثير من مدعى الوطنية.
وإلى لقاء مع شخصية أخرى … إن كان فى العمر بقية



