م . عباس محمود يكتب : شخصيات لن تتكررـ الكاتب والمفكر ـ محمد عودة 1920-2006

شخصيات لن تتكررـ الكاتب والمفكر ـ محمد عودة 1920-2006
بدأت علاقتى بالأستاذ/ محمد عودة فى أواخر 1995 وذلك فى منزل الراحلة الأستاذة/ ليلى مرموش – الكاتبة بدار الهلال ورئيس تحرير مجلة طبيبك الخاص – وكنا نجتمع فى منزلها على فترات فى مجموعة تضم نخبة من الفنانين والصحفيين والكتاب وأذكر منهم على سبيل المثال “الأستاذ/ سعد هجرس – الأستاذ/ كامل الزهيرى نقيب الصحفيين الأسبق – الفنانة شويكار .. رحمة الله عليهم جميعاً ..”وبدأت علاقتى تتوطد بالأستاذ/ عودة – كما كنا نطلق عليه – وزاد تعلقى به عندما بدأت تتكشف لى الجوانب الشخصية له حيث اكتشفت أن انحيازه للشعب من المسلمات التى يتمسك بها وتكون جزء من قناعاته الشخصية التى تصل إلى حد اليقين وكان هذا يتمثل بصورة أكثر وضوحاً فى تقديره اللا نهائى لما حدث فى المرحلة الناصرية ولم يكن عشقاً شخصياً لعبد الناصر وإنما كان إيماناً ويقيناً بالفكر والإنحياز للطبقات العاملة بكافة مستوياتها، وكان هذا الفكر واضحاً فى حياته الشخصية التى كان يحياها كفرد من أفراد الطبقة الوسطى ولم يكن يطمح فى الوصول إلى منصب أو مركز فى المنظومة الصحفية أو السياسية بل كان يعمل كجزء من منظومة متكاملة، وكتاباته فى الأهرام ودار الهلال والأهالى خير دليل على ذلك.
وكانت حياته الشخصية تتمثل فى أنه يقطن فى شقة صغيرة فى عمارات الأوقاف بالدقى وكانت تلك الشقة لا تغلق أبوابها فهى مفتوحة على مدار اليوم لإستقبال المريدين والأصدقاء والزملاء وكأن الدار ترحب بالقادمين إليها دون أن يكون هناك باب مغلق يعطى للقادم انطباعاً بأنه يحتاج إلى تصريح دخول وهذا الوضع لم أشاهد مثله إلا فى حالة واحدة عندما زرت مسكن الملحن العظيم الشاب “بليغ حمدى” وكان يصحبنى فى تلك الزيارة شقيقه الأستاذ/ مرسى سعد الدين والذى كان يشغل منصب رئيس هيئة الإستعلامات حيث كان منزله هو أيضاً يعج بالزائرين على مدار الساعة والذين يتلقون الترحاب من العاملين بالمنزل بغض النظر عن وجود صاحب المنزل من عدمه (ولهذا قصة أخرى).
من أكثر كتبه أهمية رغم صغر حجمه كتاب “كرومر فى مصر” والذى قدم فيه الأستاذ/ عودة صورة حقيقية بدون أدنى مبالغة أو تضخيم ولكنها كافية لغرس مشاعر الغضب والكراهية للإستعمار الإنجليزى الذى كان يسيطر على البلد وكيف كانت الغطرسة للمحتل الأجنبى الذى كان يتعامل مع الدولة المصرية حكومةً وشعباً وكأنهم جزء من عبيد أصحاب الأرض دون أن يكون لهم أية حقوق ولو صورية.
وفى اللقاءات التى كانت تجمعنا على فترات لا تتجاوز الأسبوع الواحد إما فى منزلى أو منزل الأستاذة/ ليلى مرموش أو حتى فى منزل الأستاذ/ عودة كانت تلك اللقاءات أشبه بندوة ثقافية لتبادل الآراء ومناقشة الأحداث الجارية ومراجعة أحداث التاريخ القديمة والحديثة وفى تلك الأيام كنت كأننى أعيد قراءة تاريخ مصر القديم أوالحديث وما به من إيجابيات أو سلبيات، وعندما كانت الدهشة تصيبنى عند الرجوع إلى أحداث التاريخ أخبرنى الأستاذ/ عودة ذات ليلة متسائلاً “هل يمكن لأى شخص أن يعيش دون أن يعرف نشأته وأبائه وجدوده وعائلته لو وجد هذا الشخص فسيكون ضائع وليس له جذور أو روابط تربطه بالمكان أو الزمان ولهذا يجب على كل إنسان أن يعرف تاريخه خاصة فى مصر والتى تعتبر مركز ثقل العالم ومنشأ التاريخ” وأوضح لى مسترسلاً “أن العالم عرف الكتابة من مصر ولقد كان قدماء المصريين أول من استخدم الكتابة لتسجيل حياتهم اليومية سواء بإستخدام أوراق البردى أو الكتابة على الحجر لتسجيل كافة الأحداث بما فى ذلك عقائدهم المختلفة وأعمالهم الحربية وفتوحاتهم وكان استخدامهم للكتابة يسبق اليونان والرومان وكافة الحضارات القديمة”.
هكذا كان فكر وعقيدة الأستاذ/ عودة والتى عاش حياته يسكن فى مصر لأن مصر كانت تسكن فيه بكل ما تحتويه الكلمة من معانى كان عاشقاً لمصر ومثالاً حياً لمطلع أغنية “ما تقولش إيه اديتنا مصر” ولم يسعى يوماً ما للحصول على أى امتياز من أى نوع كان محباً للبشر واتذكر عندما كان الجميع يجتمعون فى بيتى كنت اسأله “كام واحد يا أستاذ/ عودة” وكان يجيب “واحد أو اثنين” ولكنى كنت أعلم علم اليقين أن العدد لن يقل عن أربعة أو خمسة يصطحبونه لأنه طوال الطريق كلما صادفه أحد من معارفه أو أصدقائه يقوم بدعوته معه وبشدة لأنه كان يعلم أن بيوت أصدقائه هى بمثابة بيته وكنا جميعاً نرحب بهذا التصرف التلقائى والذى يعبر عن مكنونه الداخلى وعن كم المحبة والسلام الذى يسكن بداخله.
رحم الله مفكرنا الكبير الأستاذ/ محمد عودة والذى كما اعتقد أن الزمان لن يجود بمثله.
وإلى اللقاء مع شخصية أخرى

