م . عباس محمود يكتب : بعد 55 عاماً من رحيله ما زال موجود بقوة

هناك مواسم تعلو فيها نبرة الهجوم على الرئيس الراحل/ جمال عبد الناصر رغم مرور أكثر من 55 عاماً منذ رحيله فى 28 سبتمبر 1970 وهذه المواسم هى “ذكرى ثورة 23 يوليو 1952 – ذكرى تأميم القناة فى 26 يوليو 1956 – ذكرى نكسة 5 يونيو 1967 – ذكرى ميلاده فى 15 يناير – ذكرى وفاته” وحتى نكون منصفين فإن شعب مصر فى العصر الحديث لم يجد من يحنو عليه مثل جمال عبد الناصر الرجل الذى وقف بجسارة وشجاعة ضد كافة الدول الإستعمارية عندما كان الإستعمار فى صورة إحتلال عسكرى ولم يتوقف نشاط “ناصر” عند الإحتلال لمصر بل قاوم الإحتلال فى كافة الدول المحيطة وساند ثورات الجزائر والكونغو ونيجيريا وكافة الدول التى كانت تخضع للإستعمار فى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بل وصل تأثيره إلى دول أمريكا اللاتينية مثل كوبا وأيضاً فى قارة اسيا وكان الإستعمار فى ذلك الوقت ـ فى فترة الخمسينات والستينات من القرن العشرين – يتمثل فى الإحتلال العسكرى للدول التى كانت ثرواتها تتمثل فى البترول والمعادن النادرة مثل “الكوبالت واليورانيوم” اللذان يستخدمان فى أعمال الطاقة الذرية بمختلف توجهاتها وذلك بخلاف المواقع التى تعتبر مسارات للتجارة العالمية.
كان جمال عبد الناصر يتمتع بكاريزما غير مسبوقة شهد له بها كبار قادة العالم فى ذلك الوقت وأقام علاقات جيدة مع الهند والذى كان يرؤسها فى ذلك الوقت “جواهر لال نهرو” ومع يوغوسلافيا تحت قيادة “جوزيف بروز تيتو” وأندونسيا ورئيسها الشهير “أحمد سوكارنو” وكان ناصر خطيباً يستطيع أن يستمر فى الخطابة للجماهير لمدة تزيد عن الساعتين دون الحاجة إلى أوراق مكتوبة ومن أشهر خطبه “خطاب تأميم القناة فى الإسكندرية فى 26 يوليو 1956” وساعده على ذلك أنه قام بتثقيف نفسه سواء بالإطلاع الموسوعى على الكتب من كافة أنحاء العالم والاستماع إلى كافة الإذاعات حتى إذاعات الأعداء ليحصل على قدر كافى من المعلومات تحت مبدأ “أعرف عدوك” فى زمن كان التواصل فيه عن طريق محطات الإذاعة.
وقام عبد الناصر مع الكثير من الزعماء المهتمين بهذا الخط الذى انتهجه لنفسه عدة مجموعات أشهرها “مجموعة دول عدم الإنحياز” وهى الدول التى لا تتبع الدول الغربية والتى تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ولا المعسكر الشرقى بقيادة الإتحاد السوفيتى واستطاع مع زملائه تجميع أكثر من 55 دولة تحت علم عدم الإنحياز كما كان هناك تجمع اخر هو دول “مجموعة الحياد الإيجابى” حيث كان هدف هذه الدول هو توصيل صوتهم إلى العالم وليس الإكتفاء بالمواقف السلبية بل بمواقف إيجابية حتى يعلم العالم أن هذه الدول لا تتخذ مواقف سلبية من القضايا العالمية.
وعند حدوث نكسة 1967 وقيام الجماهير بمطالبة عبد الناصر بعدم التنحى وكان هتافهم المدوى والأعلى هو “ناصر ها نحارب” وهكذا أثبت الشعب أنه كان صاحب القرار فى عودة عبد الناصر وعدم الإستسلام لهزيمة معركة يونيو 1967، وكان المغرضون يقولون أن هذه المظاهرات كانت بترتيب من الإتحاد الاشتراكى ولو كان الإتحاد الاشتراكى لديه القوة والشعبية لإخراج هذه الملايين من أسوان إلى الإسكندرية فى توقيت واحد لكان لزاماً علينا أن نرفع القبعة احتراماً لهذا التنظيم الذى لديه القدرة – كما يدعون – على حشد هذه الملايين.
وإذا عدنا إلى المنشئات الصناعية والمصانع التى أقيمت فى بداية الستينات والتى تعدت الألف ومائتى مصنع وكانت جميعها تحقق أرباح وبشهادة الأعداء المتمثلين فى البنك الدولى فإن معدل النمو الإقتصادى فى مصر لم يسبق له مثيل.
وكانت نسبة البطالة فى مصر تقترب من الصفر وكان جمال عبد الناصر ينحاز انحيازاً كاملاً للطبقات الغفيرة من الشعب ولا يقبل بوضع أى أعباء عليه تحت أى مسمى وكان يهتم بالإطلاع شخصياً على الخطابات التى ترسل إليه من أفراد الشعب العاديين ويحاول أن يتواصل معهم.
وإذا كان المغرضون يحاولون الإيحاء بأنه كان ديكتاتور وأشياء أخرى نابعة من خيالهم المريض فماذا يقولون عن جنازته التى لم يشهد التاريخ المصرى أو العالمى مثل هذه الجنازة وكانت هناك فى نفس توقيت تشييع جنازة عبد الناصر فى القاهرة جنازات أخرى رمزية فى كافة أنحاء عواصم الدول العربية والأفريقية وبعض الدول الأوروبية .. فهل خرجت هذه الملايين لتحية رجل مستبد أو طاغية أو ديكتاتور .. أفلا تعقلون!!
وفى أحداث 25 يناير 2011 ورغم مرور أكثر من أربعون عاماً على وفاته كانت صوره والهتافات التى توحى بحاجة الجماهير إلى شخص يقترب منه ومن وفائه للوطن والمواطنين تملأ كافة الميادين التى قامت بها الإحتجاجات إيماءً إلى أن الشعب كان بحاجة إلى تكرار هذه النسخة بالصورة الحديثة.
ورغم المحاولات العديدة لمحو اسمه وكمثال لذلك تغيير اسم بحيرة ناصر إلى بحيرة السد ومواقع كثيرة فإن لنا فى ميدان باب اللوق عبرة حيث تغير اسمه إلى ميدان البستان ثم إلى ميدان عبد السلام عارف ومسميات أخرى وما زال الشعب حتى اليوم يحتفظ ويحافظ على اسم ميدان باب اللوق فما يوجد فى وجدان الشعب لا تمحيه القرارات وكما قلت سابقاً فإن الشعب أولاً وأخيراً هو صاحب القرار.
رحم الله الزعيم الكبير وألهم معارضيه إلى التدبر فيما يقولون وعدم الانسياق خلف مظاهر الإستعمار الحديث والذى أصبح متمثلاً فى الإستعمار الإقتصادى وفى مجالات التعليم والصحة وفى معظم مناحى الحياة.
حفظ الله مصر من كل سوء …
وإلى لقاء … إن كان فى العمر بقية
اقرأ أيضاً


