م . عباس محمود يكتب : الحكايــة الخامســة ـ أنا غنية وأحب الهدية

الحكايــة الخامســةـ أنا غنية وأحب الهدية
على ما يبدو أنني ممثل فاشل فتعبيرات وجهي تفضحني دائماً وكان هذا هو حالي وأنا أتسلم مجموعة النتائج والأجندات الخاصة بالسنة الجديدة وكانت المرة الأولى التي أرى فيها أسمي مطبوعاً وبمقاسات مختلفة تحت الاسم والعنوان ورقم التليفون… كنت أحاول أن أرسم ملامح الجدية واللامبالاة على وجهي وأنا أكاد أخطف من يد صاحب المطبعة النتيجة التي يمسك بها وأتمنى أن أمر بها وباقي المطبوعات على الأصدقاء والجيران والأقارب… كنت أتظاهر بالاهتمام بحجم الخط وتدرج الألوان وتوزيع المساحات وأتحرك لأنظر إلى الكتابة من جميع الزوايا وأقترب ثم أبتعد وفي رأسي خيالات تتوالى عن ردود الفعل عندما أقدمها إليه… ومن سوف يقابلها بالفرح… ومن سيبدون الدهشة وهؤلاء الذين سينظرون إليها بحسد ومن سينظر إليها بلامبالاة وأتخيل موقع النتائج إذا وضعت بالمكاتب الخاصة بالأصدقاء والعملاء أو في بيوتهم… وبينما أنا غارق في خيالاتي كان عمال المطبعة يقومون بتحميل النتائج بأحجامها الثلاثة وأجندات المكتب والمفكرات اليومية والأسبوعية… حتى امتلأت السيارة نصف النقل بما يزيد عن حمولتها… وأنهيت حسابي مع صاحب المطبعة وتركت مكافأة كبيرة للعاملين وأسرعت إلى مكتبي لأكون في استقبال السيارة عند وصولها… وبدأت في حصر كل شيء بدءاً من الأقلام المفردة وأطقم الأقلام والحاسبات اليدوية و … و … إلخ.
ثم عقدت اجتماعاً مغلقاً مع مدير مكتبي والسكرتيرة الخاصة وبدأنا في وضع قائمة بأسماء من ستوزع عليهم الهدايا… وكانت القائمة تبدأ بالأكثر أهمية مثل رؤساء مجالس الإدارات وأعضاء مجالس الإدارات نزولاً إلى مديرو العموم والموظفين حتى السعاة كان لهم نصيب في صورة نتيجة حائط… وللحقيقة فإن هذه العملية رغم ما كبدتني من مجهود ورغم كم التعب الذي كنت أشعر به فإن فرحي بما يجري أنساني التعب… ولم أنتظر حتى اليوم التالي وإنما جمعت العاملين معي وحتى أحثهم على التجاوب معي بدأت بنفسي أجمع مجموعات طبقاً للقائمة التي تم إعدادها… وبطبيعة الحال بدأ الجميع يتنافسون في تغليف الهدايا ولصق الأسماء الخاصة بالمهدى إليهم وكانت حجتي أننا يجب أن نكون أول من يرسل هدية السنة الجديدة إلى جميع المتعاملين معنا حيث تكون فرصتنا أكبر لأن يوضع اسمنا في كافة المكاتب والأماكن الهامة مما يحقق لنا انتشاراً كبيراً… وبعد ساعات من العمل المتواصل تم الانتهاء من تغليف جميع المطبوعات ولم يتبقى سوى أعداد قليلة من كل نوع كنت قد قررت الاحتفاظ بها للذكرى أو لتدارك أي سهو أو نسيان… وفي اليومين التاليين كان شغلي الشاغل هو توزيع تلك الهدايا والتأكد من وصولها إلى أصحابها طبقاً للقائمة مع مراجعة ما قد يكون سقط أو تعديل في نوعية الهدية… وكنت أتعمد أن أفتعل محادثة تليفونية أو زيارة حتى ألمس وقع الهدية عليهم… وبعد مضى عدة أيام ذهبت إلى منزل جدي كنت سعيداً جداً لا أشعر بخطواتي وكأنني أطير سابحاً في السماء… وأخذت أصعد درجات السلم مثنى وثلاث وكأنني طفل في العاشرة من عمره… وجدت جدتي في المنزل وحدها.
وكانت فرصة عظيمة أن أنفرد بها وأخذت أعتذر عن عدم زيارتي في الأيام السابقة وأحكي لها عما قمت به بدءاً من المطبعة إلى إرسال الهدايا وما صاحب ذلك من مجهود شاق… كانت جدتي تنصت إلى ولا يبدو عليها أي تعبير سواء بالفرح أو الغضب… ولم تعلق سوى بكلمة… لقد علمت بالأمر… ثم نظرت إلى نظرة لا يستطيع أن يفهم معناها سواي… كانت عيناها تمتلئان بالعتاب الغاضب والحزن الجليل وسألتني… هل أرسلت إلى جدك إحدى هذه الهدايا؟؟ ثم أشاحت بوجهها ناظرة إلى لا شيء… ولم أرد فقد وقع السؤال مثل الجبل فلم أحرك ساكناً… وبعد فترة من التردد أجبتها بصوت لا يكاد يسمع وأقرب ما يكون إلى الحشرجة… أنا أعلم أن جدي يقوم سنوياً بعمل مثل هذه الأشياء وأفضل منها أيضاً وأن هذه الفكرة ما كنت أفكر فيها لولا أنني أخذتها نقلاً عنه… نظرت إلى جدتي قائلة… أقول لك للعلم فقط إن جدك يشعر بالألم لأنك لم ترسل له هدية من هداياك وأنا أقول لك ذلك حتى تتصرف كما تشاء فأنت لم تعد صغيراً تحتاج إلى توجيه.
وكأنما كانت تلك الكلمات هي التميمة السحرية لأقوم من أمامها وأسرع بمغادرة المنزل وقد فعلت ذلك حتى أعطي لنفسي الفرصة في التفكير بهدوء للخروج من هذا المأزق وثانياً حتى أتلاشى نظرات جدتي الحارقة… توجهت إلى مكتبي مسرعاً وأخذت أجهز على عجلة صندوق صغير يحتوى من كافة المطبوعات والأقلام وكل الأنواع قطعة من كل نوع وبعد أن أغلقت الصندوق بالورق الخاص بالهدايا حملته وتوجهت إلى جدي وكل ما اقتربت من مكتبه اعتراني شعور بالخدر… لم أكن خائفاً ولا مسروراً ولا قلق… باختصار كنت أسير كالنائم تاركاً ما يحدث لمجريات الأمور… وعندما وصلت أمامه لاحت لي ابتسامته المعهودة… وبادرته قائلاً كل عام وأنت بخير… هذه أول مطبوعات وهدايا بمناسبة العام الجديد… وتناولها مني ثم قام بفض الغلاف وأخذ يمسك بالأشياء وهو يقول بسعادة بادية ما شاء الله ما شاء الله… ثم نادى على أحد العاملين قائلاً له وهو يشير إلى أربعة صناديق كبيرة ممتلئة بهدايا العام الجديد… ضعوا هذه الأشياء في سيارة الأستاذ… وقلت له بعد أن شكرته… هل صحيح كنت غاضب لأنني لم أحضر لك هديتك مع ما أراه الآن لديك… ووجدت وجهه يضحك وهو يقول لي كل هذه الأشياء لا تساوي أن أقول لمن يزورني هذه النتيجة خاصة بحفيدي أو هذا القلم من هداياه… وكما قال أهلنا في أمثالهم… أنا غنية وأحب الهدية!!
وإلى اللقاء فى حكاية أخرى من حكايات جدى……

