م . عباس محمود يكتب : التتار والمغول دروس من التاريخ

يعتبر المغول والتتار الذين بدأ ظهورهم فى العصور الوسطى فى جنوب آسيا من أكثر الشعوب تأثيراً فى هذه الحقبة التاريخية حيث أسس المغول إمبراطورية توسعت جغرافياً حتى سيطرت على أكثر من 80% من الدول الأسيوية وبعض دول أوروبا الشرقية وكانت تملك قوة عسكرية غير مسبوقة سواء فى العدد أو فى حرفية القتال وتركوا أثراً عميقاً فى آسيا وأوروبا والعالم الإسلامى وفى حملاتهم سقطت بغداد عام 1228 ولم يوقفهم عن التوسع إلا عندما تقدموا نحو مصر وكانت مصر فى ذلك الوقت تحت حكم المماليك الذين خرجوا ولأول مرة استطاعوا هزيمتهم فى عين جالوت وهى منطقة تقع فى شرق فلسطين بجوار الأردن.
وأصل المغول كان فى آسيا الوسطى فى المنطقة التى تعرف بإسم “منغوليا” حالياً وكانت عبارة عن قبائل بدوية تعتمد على الرعى وتربية الخيول والصيد والتنقل ويحكمها النظام القبلي الصارم وكان للظروف الطبيعية المحيطة بهذه المناطق الأثر الكبير فى تفوق السكان فى الفروسية واستخدام القوس مما منحهم تفوقاً عسكرياً وعندما ظهر “جنكيز خان” والذى استطاع توحيد القبائل وهو يعد المؤسس الأول لدولة المغول وقام أيضاً بوضع قانون عسكرى صارم يعتمد على الكفاءة أولاً وبدأ حملات عسكرية لتوسيع الدولة نحو الصين وآسيا الوسطى وتواصلت فتوحاته حتى بعد وفاته حيث تولى أبناءه استكمال هذا العمل بالاستيلاء على الصين وآسيا الوسطى وأجزاء من روسيا وأوروبا الشرقية والعراق ومن أبرز أبناءه “هولاكو خان” الذى قاد حملات على الدول الإسلامية وأسقط بغداد وأنهى حكم الدولة العباسية حيث قام بقتل الخليفة “المستعصم بالله” وتلاه “قوبلاى خان” الذى جعل بكين عاصمة لحكمه.
أما التتار فهى قبائل كانت تعيش فى شمال الصين ومنغوليا ولمن بعد توسع المغول صار الأوروبيون والمسلمون يطلقون كلمة تتار على جيوش المغول عامة والتتار يعيشون فى روسيا الآن ولهم جمهورية ذاتية الحكم وأغلبهم من المسلمين السنة.
وقد تعرض العالم الإسلامى لهجمات مغولية مدمرة حيث اجتاحت جيوشهم كل من “بخارى وسمرقند وبغداد وحلب ودمشق” ولم تتوقف غزواتهم إلا فى معركة عين جالوت التى كانت أول معركة يهزمون فيها على يد المماليك المصريين بقيادة السلطان “قطز” ومساعده “بيبرس” وهذه المعركة كانت السبب الأساسى فى وقف الزحف عن اجتيءاح مصر وشمال أفريقيا وكان من أسباب تفوق جيش المغول التنظيم العسكرى الصارم والتحرك السريع واستخدام الخداع العسكرى ونشر الرعب عن طريق الروايات أو ما يطلق عليه فى العصر الحالى “الحرب النفسية” ومن أسباب ضعفهم اتساع رقعة الدولة وصعوبة إدارتها والصراعات الداخلية بين أبتاء “جنكيز خان” واندماج العديد منهم فى الشعوب التى كانوا يحكمونها وظهور قوى جديدة مثل المماليك.
وقد أثر المغول كثيراً فى العالم حيث انتقلت حضارات آسيا والكثير من القيم فيها إلى دول أوروبية كثيرة ودول فى شمال آسيا كما اسهمت هذه الفتوحات فى تمهيد طرق التجارة بين الكثير من الأماكن المختلفة بين الشرق والغرب كما ساهمت فى انتقال الكثير من المعارف والعلوم العسكرية ومن نتائجها ظهور الكثير من الدول خاصة فى آسيا الوسطى.
ولعل من ابرز دروس التاريخ رغم الانتصارات والفتوحات هو أن التوسع الضخم قد تكون له آثار سلبية من أهمها عدم القدرة على السيطرة التامة على المساحات الكبيرة والتى يتبعها الاختلاف فى الطباع والسلوكيات نتيجة وجود اعراق وأجناس وثقافات مختلفة مما يصعب معه توحيد النظم الإدارية بينهم.
ولنا فى التاريخ الحديث أمثلة مثل انهيار الإتحاد السوفيتى واستقلال الكثير من الدول التى كانت تابعة له باختلاف الثقافات والأعراق التى كانت عاملاً مساعداً فى انفصال هذه الولايات عن الإتحاد وكذلك ما حدث فى دول الخلافة الإسلامية حيث استقلت كل دولة عن دولة الخلافة.
وما نراه الآن وفى الوقت الحالى من محاولات بعض الدول الأوروبية الخروج عن مظلة الهيمنة الأمريكية وما هو ليس بظاهر فى دولة إسرائيل رغم صغر حجمها نسبياً إلا أن الواقع يقول بأن يهود الغرب أو أوروبا يختلفون عن يهود الدول الشرقية وأيضاً يهود أفريقيا مما يؤثر على تجانس المجتمع قد لا يكون واضحاً بصورة كبيرة الآن لكن من يعيشون فيها يشعرون بالعنصرية الحادة داخل هذه المجتمعات كما أن هذه الظاهرة بدأت آثارها السلبية تظهر فى مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية حيث بدأت بعض الولايات فى التفكير فى الانفصال وإن كانت لا تمثل ظاهرة ولكن هكذا البدايات خاصة أن هناك الكثير من عوامل التفرقة والاختلاف فى دولة قامت على اختلاف الأجناس والأصول حيث ما زال يشار إلى السكان رغم مرور عقود كثيرة على وجودهم فى هذه الدولة أنهم من أصل صينى أو هندى أو عربى أو أوروبى.
ومن لم يتعلم من دروس التاريخ فلا أمل فى تعلمه….
وإلى لقاء قريب … إن كان فى العمر بقية.


