د.م. أحمد الزلاط يكتب :قراءة اقتصادية في مسار دول الربيع العربي

بعد أكثر من عقد على التحولات السياسية التي شهدتها عدة دول عربية منذ عام 2011، أصبحت الأرقامالاقتصادية اليوم كاشفة بوضوح لمسار تلك التجارب. فبينما كانت التوقعات في بداية تلك المرحلة تدور حولتحولات سياسية سريعة تقود إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية، فإن النتائج الفعلية أظهرت واقعًا مختلفًاإلى حد كبير.
وفي قراءة تحليلية لهذه المرحلة، نجد أن المقارنة بين اقتصادات الدول التي شهدت ما عُرف إعلاميًا بالربيعالعربي تقدم نموذجًا واضحًا للعلاقة المباشرة بين استقرار الدولة وقدرتها على الحفاظ على مسار النموالاقتصادي.
والاقتصاد المصري يمثل حالة لافتة في هذه المقارنة. فوفق البيانات الاقتصادية، ارتفع الناتج المحليالإجمالي لمصر من نحو 219 مليار دولار في عام 2010 إلى ما يقارب 389 مليار دولار في عام 2024، وهوما يمثل زيادة بنحو 170 مليار دولار خلال هذه الفترة.
وبحساب معدل النمو الإجمالي، فإن الاقتصاد المصري حقق نموًا يقارب 77٪ خلال أربعة عشر عامًا، رغم ماشهدته المنطقة من اضطرابات سياسية وأمنية، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية العالمية التي شهدها العالمخلال هذه الفترة.
هذه الأرقام تعكس قدرة الاقتصاد المصري على الحفاظ على تماسكه في بيئة إقليمية معقدة، والتجربةالمصرية قامت خلال العقد الأخير على الاستثمار في البنية التحتية والطرق والطاقة والموانئ والمدنالجديدة، وهو ما وفر قاعدة اقتصادية تسمح باستمرار النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، تظهر تجارب اقتصادات أخرى في المنطقة مسارات مختلفة ، ففي تونس ارتفع الناتج المحليالإجمالي من نحو 46 مليار دولار في عام 2010 إلى ما يقارب 53 مليار دولار في عام 2024، بزيادة تبلغنحو 7 مليارات دولار فقط، أي بمعدل نمو يقارب 15٪ خلال نفس الفترة.
أما ليبيا فقد شهد اقتصادها تراجعًا ملحوظًا نتيجة سنوات من الانقسام السياسي والصراع المسلح، حيثانخفض الناتج المحلي من نحو 75 مليار دولار في عام 2010 إلى حوالي 48 مليار دولار، أي بخسارة تقارب27 مليار دولار، وهو ما يعادل انكماشًا اقتصاديًا يقترب من 36٪.
وفي اليمن تراجع الاقتصاد من نحو 31 مليار دولار قبل الأزمة إلى ما يقارب 22 مليار دولار خلال سنواتالحرب، أي انخفاض يقدر بحوالي 9 مليارات دولار، بما يعادل انكماشًا يقارب 29٪.
أما الحالة الأكثر حدة فكانت في سوريا، حيث تراجع الناتج المحلي الإجمالي من نحو 61 مليار دولار فيعام 2010 إلى ما يقارب 21 مليار دولار في عام 2024، أي انخفاض يقدر بحوالي 40 مليار دولار، بما يمثلانكماشًا اقتصاديًا يقارب 66٪ من حجم الاقتصاد قبل الأزمة.هذه المقارنة الاقتصادية تكشف بوضوح أنمسار الاقتصادات في المنطقة لم يكن مرتبطًا بالشعارات السياسية أو التحولات المفاجئة، بل كان مرتبطًابدرجة كبيرة بقدرة الدولة على الحفاظ على مؤسساتها واستقرارها الداخلي.
إن التجربة الإقليمية خلال العقد الأخير تقدم درسًا مهمًا في الاقتصاد السياسي، وهو أن الاقتصاد لا يعملبمعزل عن استقرار الدولة. فحين تتعرض المؤسسات للانقسام أو الانهيار، تتراجع قدرة الاقتصاد علىالإنتاج والاستثمار، وتزداد كلفة إعادة البناء بشكل كبير.
وفي المقابل، فإن الدول التي تحافظ على تماسك مؤسساتها تظل لديها القدرة على مواجهة الأزماتواستعادة النمو، حتى في ظل ضغوط اقتصادية عالمية معقدة.
التجربة الاقتصادية في المنطقة خلال السنوات الماضية توضح أن الاستقرار المؤسسي ليس مجرد عاملسياسي، بل هو أحد أهم الشروط الأساسية لبناء اقتصاد قوي ومستدام.
والمقارنة بين اقتصادات دول الربيع العربي خلال الفترة من 2010 إلى 2024 تقدم خلاصة واضحة:
الدول التي فقدت استقرارها السياسي دفعت ثمنًا اقتصاديًا باهظًا، بينما استطاعت الدول التي حافظتعلى مؤسساتها أن تواصل مسار النمو، حتى وإن واجهت تحديات اقتصادية كبيرة.
إقرأ المزيد،،
د.م أحمد الزلاط يكتب : الاقتصاد المصري في زمن الحروب العالمية


