مقالات ودراسات

د . م أحمد الزلاط يكتب : بالموانئ الحديثة… مصر تفرض نفسها قوة بحرية عالمية

إن ما تشهده مصر حاليًا في ملف تطوير الموانئ «لا يمكن اختزاله في كونه مشروع بنية تحتية أو تحديث مرافق نقل»، إن الأمر يمثل مشروعًا قوميًّا استراتيجيًّا متكاملًا يعيد رسم موقع الدولة المصرية داخل خريطة الاقتصاد العالمي ، الدولة المصرية «تخوض اليوم واحدة من أهم معاركها الاقتصادية بهدوء شديد» والموانئ أصبحت في القرن الحادي والعشرين ساحة صراع دولي لا تقل خطورة عن ميادين السياسة أو الأمن.

أرقام تعكس حجم التحول ،،

مصر تعمل حاليًا على تطوير 14 ميناءً تجاريًا من أصل 19 ميناءً، بالتوازي مع إنشاء 5 موانئ جديدة بالكامل وفق أحدث المعايير العالمية، لافتًا إلى أن هذا الحجم من العمل المتزامن «لا تقوم به دولة تبحث عن تحسين خدماتها فقط، بل دولة تستعد لدور أكبر داخل النظام التجاري العالمي» ، نتائج هذا التوجه بدأت تظهر سريعًا، ميناءي بورسعيد والإسكندرية دخلا قائمة أفضل 100 ميناء حاويات في العالم لعام 2025 وفق تصنيف Lloyds List، وهو تصنيف دولي يعتمد على معايير صارمة تتعلق بالكفاءة التشغيلية والطاقة الاستيعابية وسرعة التداول والربط اللوجستي ، ودخول موانئ مصرية هذا التصنيف العالمي يعني بوضوح أن مصر خرجت من إطار الموانئ الإقليمية، ودخلت نادي الموانئ الدولية المؤثرة».

الموانئلغة القوة الجديدة ،،

العالم لم يعد يُدار فقط بالقوة العسكرية، موضحًا أن «أكثر من 90% من تجارة العالم تمر عبر البحار والمحيطات ، وأن من يسيطر على الموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد يمتلك أوراق ضغط اقتصادية وسياسية هائلة».

الصراع الدولي اليوم «يدور حول من يتحكم في حركة البضائع، وزمن وصولها، وتكلفتها»، فالموانئ تحولت إلى أدوات نفوذ استراتيجي في يد الدول الكبرى والدول الصاعدة على حد سواء.

تمدد محسوب خارج الحدود ،،

والتحرك المصري «لم يقتصر على الداخل فقط»، بل امتد إلى العمق الاستراتيجي للبحر الأحمر، أحد أخطر مسارح الصراع التجاري في العالم ، ومنها الاتفاقية التاريخية التي أُبرمت في نهاية عام 2025 لتطوير ميناء «دوراليه» في جيبوتي، مؤكدًا أن هذا الميناء يمثل نقطة حيوية مطلة على باب المندب تمر عبرها نسبة ضخمة من تجارة آسيا وأوروبا.

أيضا الإتفاق مع إريتريا لتحسين وتطوير موانئ بحرية هناك، وعلى رأسها ميناء عصب، وهذه الخطوات«تعزز الوجود المصري على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وتؤمّن ظهر قناة السويس استراتيجيًا» ، هذاالتمدد البحري «يكسر احتكار قوى إقليمية ودولية لموانئ وسواحل حساسة»، واصفًا إياه بأنه نفوذ بحريذكي بلا ضجيج سياسي.

الجيم الكبير في صمت ،،

إن ما تفعله مصر في ملف الموانئ «هو Game استراتيجي رفيع المستوى»، حيث يتم دون صدام مباشر،ودون استعراض سياسي ودون ضجيج إعلامي، والنتائج واضحة، حيث «تسحب مصر الفرص من موانئ منافسة، وتعيد توجيه خطوط الشحن العالمية، وتفرض نفسها كحل آمن ومستقر في عالم يشهد اضطرابات متزايدة».

وأكد أن هذا التحرك جعل مصر «منافسًا مباشرًا لدول كانت تهيمن على مراكز الشحن»، وفي الوقت نفسه«لاعبًا لا غنى عنه لدول تبحث عن الاستقرار والموثوقية».

اقتصاد ما بعد الموانئ ،،

إن الاستثمار في الموانئ «لا يقتصر على رسوم عبور أو تداول حاويات»، بل يفتح الباب أمام منظومة اقتصادية متكاملة تشمل:

▪️مناطق صناعية مرتبطة بالموانئ

▪️مراكز لوجستية وإعادة تصدير

▪️جذب استثمارات أجنبية مباشرة

▪️زيادة الصادرات وتقليل تكلفة الاستيراد

والدراسات العالمية تؤكد أن «كل دولار يُستثمر في الموانئ والخدمات اللوجستية يمكن أن يحقق عدةأضعافه في الناتج المحلي» فالدول المالكة لموانئ محورية تتحول تلقائيًا إلى مراكز ثقل اقتصادي إقليمي.

الخلاصة ،،

ما يحدث اليوم «ليس مشروع قطاع، بل مشروع دولة يعيد تعريف موقع مصر الجغرافي ودورها في التجارة العالمية ووزنها في الصراع الدولي القادم».

«مصر لم تعد مجرد طريق تمر به التجارة، بل أصبحت دولة يُعاد عندها حساب مسار التجارة نفسها».

مصر، بهذه الرؤية، «تحجز مكانها المستحق على خريطة العالم الجديد كقوة بحرية اقتصادية صاعدة،تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه، ومتى تعلن عن نفسها».

إقرأ المزيد

د.م أحمد الزلاط يكتب : أقتصاد «التعهيد » الذي تراهن عليه مصر حتى 2030؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »