د.م. أحمد الزلاط يكتب : الذهب في واجهة المشهد… لكن البنية التحتية تحسم المعركة الاقتصادية

يشهد الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة موجات متلاحقة من عدم اليقين، انعكست بوضوح على أسواق الذهب والمعادن، وعلى قرارات الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وعلى رأسها البنية التحتية والتطوير العقاري. وفي حالة الاقتصاد المصري، لا يمكن فصل هذه المتغيرات عن خصوصية السوق المحلي، ودور الدولة، وتركيبة الطلب، وطبيعة الاستثمار العقاري بوصفه أحد أهم مخازن القيمة وأكثر القطاعات ارتباطًا بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
أولًا: المعادن كقلب صلب للبنية التحتية
إن قطاع البنية التحتية في مصر يُعد من أكثر القطاعات ارتباطًا بحركة المعادن عالميًا، نظرًا لاعتماده المكثف على الحديد، والنحاس، والألومنيوم، ومكونات الأنظمة الكهروميكانيكية. وأن أي صعود في أسعار هذه المعادن لا يُترجم فقط إلى زيادة في تكلفة البناء، بل يمتد أثره إلى إعادة هيكلة الجدوى الاقتصادية للمشروعات، خاصة تلك التي يتم تنفيذها على مدد زمنية طويلة أو بتعاقدات مسبقة.
وفي السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعًا تاريخيًا في تكلفة مدخلات البناء، ما فرض واقعًا جديدًا على السوق المصري، يتمثل في ضرورة الانتقال من نموذج “التوسع الكمي” إلى نموذج “الانتقاء النوعي”، حيث لم يعد كل مشروع قابلًا للاستمرار اقتصاديًا في ظل هذه التغيرات.
ثانيًا: الذهب كمؤشر اقتصادي لا كمنافس مباشر
النظر إلى الذهب باعتباره منافسًا مباشرًا للعقار هو تبسيط مخلّ للواقع الاقتصادي. ففي مصر، يتحرك الذهب غالبًا كأداة تحوّط ضد التضخم وتقلبات سعر الصرف، وليس كبديل استثماري دائم عن الأصول الحقيقية. وارتفاع أسعار الذهب يعكس في جوهره حالة من القلق النقدي أو المالي، وليس ضعفًا في القطاعات الإنتاجية.
ويؤكد أن شريحة واسعة من المستثمرين المصريين تستخدم الذهب كمرحلة انتقالية لحفظ القيمة، ثم تعود لتوظيف هذه القيمة داخل العقار أو المشروعات التشغيلية، خاصة تلك المرتبطة بالإدارة، والخدمات، والأنشطة المؤسسية طويلة الأجل.
ثالثًا: سعر الصرف وتأثيره المركّب على التطوير
سعر الصرف يمثل الحلقة الأكثر حساسية في العلاقة بين أسواق المعادن وقطاع التطوير العقاري في مصر. فمع ارتفاع الذهب عالميًا وتزايد الضغوط على العملات في الأسواق الناشئة، ترتفع تكلفة الاستيراد، وتزداد أعباء التنفيذ، وهو ما ينعكس مباشرة على تسعير المشروعات الجديدة.
وهذا الواقع كشف بوضوح الفارق بين المشروعات القائمة على قيمة حقيقية، وبين تلك التي بُنيت على تسعير مبالغ فيه أو مضاربات قصيرة الأجل. فالمشروعات ذات الموقع الاستراتيجي، والوظيفة التشغيلية الواضحة، والجداول الزمنية المنضبطة، أثبتت قدرتها على الصمود، بينما بدأت مشروعات أخرى في التعثر أو فقدان جاذبيتها الاستثمارية.
رابعًا: الفائدة والتمويل… إعادة فرز السوق
أن سياسات رفع أسعار الفائدة، سواء محليًا أو عالميًا، أدت إلى إعادة فرز طبيعية داخل السوق العقاري. فقد تراجع الطلب غير الحقيقي، وانحسرت المضاربة، وبدأ المستثمرون في البحث عن مشروعات مرتبطة بطلب فعلي ومستدام.
فمشروعات البنية التحتية، والمشروعات الإدارية والخدمية المرتبطة بالدولة أو بالمؤسسات الكبرى، تظل الأكثر أمانًا في هذه المرحلة، لأنها لا تعتمد على الائتمان الاستهلاكي فقط، بل على نشاط اقتصادي وتشغيلي طويل الأجل.
خامسًا: خصوصية السوق المصري ودور الدولة
أن السوق المصري يتمتع بخصوصية فريدة، حيث تلعب الدولة دورًا محوريًا في دفع عجلة الاستثمار من خلال مشروعات قومية كبرى في البنية التحتية والمدن الجديدة. هذا الدور خلق طلبًا حقيقيًا على العقار الإداري والخدمي، وربط التطوير العقاري مباشرة بخطط التنمية الشاملة وليس بالمضاربة فقط.
أن هذا النموذج، رغم تحدياته، وفر قدرًا من الاستقرار النسبي مقارنة بأسواق أخرى، وساعد على خلق بيئة استثمارية قادرة على امتصاص الصدمات العالمية بشكل أفضل.
سادسًا: قراءة مستقبلية للسوق
ويختتم الزلاط تحليله بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات هيكلية في السوق العقاري المصري، حيث سيتراجع عدد المشروعات، لكن سترتفع جودتها، وستصبح القيمة التشغيلية، والموقع، والارتباط بالنشاط الاقتصادي الحقيقي هي المحدد الرئيسي للنجاح.
إن الذهب والمعادن سيظلان عنصرين مؤثرين في المشهد الاقتصادي، لكن من يفهم آليات السوق ويقرأ المتغيرات بوعي، لن ينظر إليهما كمصدر تهديد، بل كإشارات تساعد على اتخاذ قرارات استثمارية أكثر دقة وانضباطًا.
الخلاصة
إن الاقتصاد لا يكافئ التوسع غير المدروس، ولا يعاقب الاستثمار الحقيقي. وفي السوق المصري اليوم، لم يعد النجاح حليف الأكبر حجمًا، بل حليف الأذكى قراءة، والأكثر التزامًا بالقيمة، والأقرب لاحتياجات الاقتصاد الفعلية.
اقرأ ايضا
د.م. أحمد الزلاط: مصر انتقلت من مرحلة البناء إلى مرحلة أخطر… مرحلة التشغيل وإدارة الأزمات
د.أحمد الزلاط يكتب : شرق بورسعيد.. شريان اقتصادي جديد ومنصة لوجستية عالمية

