مقالات ودراسات

د.م أحمد الزلاط يكتب : أقتصاد «التعهيد » الذي تراهن عليه مصر حتى 2030؟

مصر تخوض اليوم «سباقًا اقتصاديًا ذكيًا» لا يعتمد على أرضٍ إضافية أو مصانعَ عملاقة، بقدر ما يعتمدعلى العقل واللغة والمهارة؛ حيث سجلت الصادرات الرقمية المصرية 6.2 مليار دولار في 2023 بعد أن كانت 4.9 مليار دولار في 2022، محققة نموًا ملحوظًا خلال عام واحد.

«المثير في القصة» هو إعلان الحكومة هدفًا واضحًا يتمثل في رفع الصادرات الرقمية إلى 9 مليارات دولار بحلول 2026 ضمن استراتيجية تنمية صناعة التعهيد، بما يعني مضاعفة الوزن التصديري لهذا القطاع خلال سنوات قليلة.

الأرقام الأحدث تؤكد أن هذا المسار ليس «شعارًا إعلاميًا»، حيث أعلنت الجهات الرسمية أن عائدات التصدير الرقمي وخدمات التعهيد ارتفعت من 2.4 مليار دولار في 2022 إلى 4.8 مليار دولار في 2025، بالتوازي معقفزة في عدد الشركات ومراكز الخدمة العاملة داخل مصر.

«الدولة فتحت الباب على مصراعيه أمام الشركات العالمية»، والدليل على ذلك اجتماع الرئيس عبد الفتاح السيسي في 10 نوفمبر 2025 مع قيادات 52 شركة كبرى مصرية ودولية متخصصة في خدمات التعهيد،على هامش قمة التعهيد العالمية التي استضافتها مصر.

هذا الاجتماع لم يكن بروتوكوليًا، إذ تم الإعلان عن توقيع عشرات الاتفاقات التي تستهدف خلق عشرات الالاف من فرص العمل عالية القيمة خلال ثلاث سنوات، في رسالة مباشرة للشباب بأن السوق «يفتح أبوابه الآن».

ما هو التعهيد ؟  اقتصاد يُصدّر الخدمة لا السلعة

إقتصاد التعهيد (Outsourcing Economy) هو نموذج اقتصادي قائم على إسناد تنفيذ الأنشطةوالخدمات الإنتاجية أو التشغيلية إلى أطراف خارجية متخصصة، غالبًا عبر الحدود الجغرافية، بهدفتعظيم الكفاءة وخفض التكاليف وزيادة القيمة المضافة. ويعتمد هذا الاقتصاد بصورة أساسية على رأسالمال البشري والمهارات المعرفية والتكنولوجية بدلًا من الاعتماد على الأصول المادية التقليدية، ما يجعله منأكثر القطاعات قدرة على توليد فرص عمل سريعة، وتحقيق عائدات من النقد الأجنبي، ودمج الاقتصاداتالنامية في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في مجالات خدمات الأعمال، وتكنولوجيا المعلومات، والدعمالفني، والتحليل الرقمي، والعمل عن بُعد.

وميزة التعهيد تكمن في كونه «اقتصادًا يُصدّر الخدمة لا السلعة»، حيث تحتاج شركات أوروبا وأمريكاوالخليج إلى فرق خدمة عملاء متعددة اللغات، ودعم فني، وتشغيل أعمال (BPO واختبار برمجيات،وتحليل بيانات، وأمن سيبراني، وخدمات موارد بشرية، فتتعاقد على تنفيذها من داخل مصر، بتكلفةتنافسية وكوادر قابلة للتدريب السريع، لتدخل الدولارات إلى البلاد دون شحنٍ أو خامات أو مصانع.

ويُجمع خبراء الاقتصاد الرقمي على أن خدمات التعهيد تُعد من أقل القطاعات تكلفة من حيث الاستثمار الرأسمالي، وأكثرها قدرة على خلق وظائف سريعة وعالية القيمة، خصوصًا في الدول ذات الكثافة الشبابية مثل مصر.

كما تُشير التقديرات إلى أن كل 10 آلاف وظيفة جديدة في قطاع التعهيد يمكن أن تضيف ما بين 250 و 300 مليون دولار سنويًا من العملة الصعبة، وهو ما يجعل هذا القطاع أحد أهم أدوات التوازن النقدي والنمو المستدام.

ترتيب مصر عالميًا لم يأتِ من فراغ، إذ قفزت إلى المركز الثالث عالميًا في مؤشر الثقة للدول المقدمة لخدمات التعهيد (Offshore BPO Confidence Index) لعام 2023، وهو مؤشر يعكس تقييمات الشركات العالمية نفسها ، ومن يتساءل عن حجم السوق، فعليه النظر إلى الأرقام العالمية، حيث تشير تقارير أبحاث السوق إلى أن سوق تعهيد خدمات تكنولوجيا المعلومات عالميًا قُدِّر بنحو 744.6 مليار دولار في 2024، مع توقعات بتجاوزه 1.2 تريليون دولار بحلول 2030.

أين تقف مصر مقارنة بالهند؟ «الفجوةهي فرصتك»

الهند تُعد النموذج الأكبر عالميًا في تصدير خدمات التكنولوجيا، حيث تُقدَّر إيرادات صناعة تكنولوجياالمعلومات بنحو 283 مليار دولار سنويًا، منها 224 مليار دولار صادرات، نتيجة استثمار طويل الأمد فيالتعليم والمهارات وبناء الثقة مع الأسواق العالمية.

المقارنة مع الهند لا تهدف إلى إحباط الشباب المصري، بل إلى تحفيزه، مؤكدًا أن مصر تمتلك مزايا تنافسيةمختلفة، أبرزها القرب الجغرافي من أوروبا، وتعدد اللغات، وسرعة التأهيل، والتوسع السريع في البنيةالتدريبية ومراكز الابتكار، ما يجعل كل شاب مؤهل إضافة فورية للاقتصاد الوطني.

رسالة مباشرة للشباب: «حوّل شهادتك إلى مهارة تُباع عالميًا»

خريجي التجارة والحقوق والآداب والزراعة والجغرافيا ليسوا خارج المعادلة، لأن التعهيد لا يشترط تخصصا  بعينه في كثير من مساراته، بل يعتمد على ثلاثة عناصر رئيسية: اللغة، والمهارة الرقمية،والانضباط المهني.

ونقطة البداية الواقعية خلال 90 يومًا تتمثل في:رفع مستوى اللغة إلى مستوى مهني.

اختيار مسار واحد للتعلم لمدة 6 إلى 9 أشهر.

بناء سيرة ذاتية وملف أعمال بسيط.

التدريب الجيد على المقابلات والانضباط المهني.

و الدولة وفّرت بالفعل قنوات تدريب وانتشارًا جغرافيًا يُسهّل على شباب المحافظات، حيث توسعت مراكزإبداع مصر الرقمية إلى 24 مركزًا في 21 محافظة.

فبرامج «التحويل المهني» لم تعد رفاهية، بل أصبحت مسارًا حقيقيًا للتشغيل، من خلال برامج تدريب تمتدحتى 9 أشهر وتعمل بنظام «التدريب ثم التشغيل».

متوسط الدخل المتوقع: أرقام واقعية وليست أحلامًا ، الدخول إلى قطاع التعهيد ليس مسارًا واحدًا، بل سلمًامهنيًا واضحًا وتشمل :-

وظائف الدعم الفني والكول سنتر بالإنجليزية بدخول مستقرة وقابلة للزيادة ، اللغات النادرة ترفع الدخلبوتيرة أسرع، تحليل البيانات والبرمجيات تقفز بالدخل مع الخبرة والشهادات العملية.

فالقاعدة بسيطة: «أنت لا تُباع بشهادتكأنت تُباع بمهارة قابلة للتسليم لشركة عالمية ومعها لغة».

الخلاصة: «هذه ليست موجةهذا اقتصاد جديد»

ما تشهده مصر في قطاع التعهيد ليس ظاهرة مؤقتة، بل اقتصاد جديد بالكامل يقوم على عقول مدرّبة وإنترنت ولغة والتزام، مؤكدًا أن الفرصة متاحة اليوم أمام الشباب، وأن من يبدأ الآن هو من سيحجز مكانه في اقتصاد الغد.

إقرأ المزيد

د. م أحمد الزلاط يكتب : 2026… عام ما بعد الفقاعات « كيف يعيد العالم تسعير الاقتصاد بعد قرن منانهيار 1929؟»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »