مقالات ودراسات

  بقلم: د.م. أحمد الزلاط : هل أغرقتنا العاصمة الإدارية في الديون… أم أنقذتنا اقتصاديًا؟

في السنوات الأخيرة، تردّد سؤالٌ بين أوساط المصريين«هل العاصمة الإدارية الجديدة هي السبب في زيادة ديون مصر الخارجية؟»

سؤال مشروع في ظاهره، لكنه في جوهره يكشف فجوة معرفية ضخمة بين ما يُرى بالعين وما يُدار بالعقل والخطط الاقتصادية العميقة.

أولًا: لماذا يعتقد البعض أن العاصمة الإدارية سبب في الديون؟

السبب بسيط لكنه مركّب ، لأن المصري حين يرى أبراجًا شاهقة، ووزارات تُنقل، وطرقًا تُشقّ، يتصوّر أن الدولةدفعت مليارات من ميزانيتها العامة لبناء مدينة جديدة، فيربط تلقائيًا بين حجم المشروع وحجم الدَّين.!

لكن الحقيقة مختلفة تمامًا،،فما لا يعرفه الكثيرون أن العاصمة الإدارية لم تُبنَ من أموال الدولة المصرية، ولم تكلّف موازنتها جنيهًا واحدًا، بل أُنشئت وفق نموذج اقتصادي ذكي ومستقل، يستند إلى مبادئ الاستثمار والتمويل الذاتي، وتدار من خلال شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية (ACUD)، وهي شركة تجارية ربحية وليست جهازًا حكوميًا ممولًا من الموازنة.

الخلط في وعي المواطن سببه أمران وهما :

** غياب المعرفة الاقتصادية العامةفليس كل مصري مطّلع على علوم الاقتصاد الكلي أو إدارة الدَّين العام أو آليات التمويل الذاتي.

** قصور الدور الإعلاميإذ لم يشرح الإعلام المحلي بما فيه الكفاية كيف تم بناء العاصمة من دونتحميل الدولة أي أعباء مالية، ولم يبرز الحقائق الرقمية التي تثبت أن العاصمة تُدرّ إيرادات ضخمة للدولة.

ثانيًا: كيف تم بناء العاصمة دون تحميل الدولة جنيهًا واحدًا؟

المعادلة التي بُنيت عليها العاصمة الإدارية بسيطة ولكنها عبقرية ، فمن أرضٍ لا تدرّ شيئًا إلى مشروع يدرّالمليارات.

تم تمويل المشروع بالكامل من بيع الأراضي للمطورين والمستثمرين داخل العاصمة، ومن عوائد المشاركة فيالمشروعات الاستثمارية التي تقيمها شركة العاصمة نفسها.

وبالأرقام، بلغت إجمالي استثمارات العاصمة نحو 800 مليار جنيه، بينما ارتفعت أصول الشركة إلى مايقارب 900 مليار جنيه في 2024.

أما الأرباح فقد تجاوزت 20 مليار جنيه في عام 2022، وارتفعت إلى 26 مليار جنيه في 2023، لتصل إلىنحو 27 مليار جنيه في 2024.

بل إن الشركة دفعت ضرائب بمليارات الجنيهات لخزينة الدولة، لتتحول من «مشروع إنفاق» إلى رافدتمويلي للدولة.

كل ذلك تم دون أي اقتراض خارجي أو تحميل الموازنة العامة قرشًا واحدًا، وهو ما يُعد سابقة في تاريخالمشروعات القومية المصرية.

ثالثًا: ماذا كسبت مصر من العاصمة الإدارية؟

العاصمة لم تكن مشروعًا عقاريًا فحسب، بل مشروع دولة للأجيال القادمة،فهي مدينة من الجيل الرابع تعتمدعلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتُدار بأنظمة رقمية حديثة، وتربط مؤسسات الدولة بشبكةمعلوماتية موحدة.

منافع اقتصادية مباشرة:

*خلق فرص العمل: وفرت العاصمة أكثر من مليون ونصف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعاتالبناء والخدمات والتقنية والإدارة.

*جذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية: أصبحت العاصمة واحدة من أهم مناطق الجذب الاستثماري فيالشرق الأوسط، حيث تتنافس كبرى الشركات على التواجد داخلها.

*تحسين كفاءة إدارة الدولة: تم نقل 14 وزارة وهيئة حكومية إلى العاصمة، ما خفّض من كلفة التشغيلاللوجستي ورفع كفاءة الخدمة الحكومية.

*تحفيز النمو الحضري والتنمية المتوازنة: العاصمة الجديدة خفّفت الضغط عن القاهرة، وأطلقت محورتنمية جديد يمتد شرقًا ليخلق فرصًا سكنية واستثمارية هائلة.

*تحويل الأراضي إلى أصول مالية: الأراضي الصحراوية التي كانت بلا قيمة أصبحت أصولًا بقيمة مئاتالمليارات من الجنيهات.

رابعًا: لماذا نحتاج إلى تغيير الخطاب حول العاصمة؟

لأن ما بُني في العاصمة ليس مجرد حجارة وأسمنت، بل نموذج مصري فريد في إدارة التنمية، نموذج أثبتأن التنمية لا تعني الدَّين، بل يمكن أن تكون رافدًا للسيولة والاستثمار والضرائب، لقد خلقت العاصمةالإدارية دورة مالية مغلقة ناجحة ، حيث « الأراضي تُباعتتحول إلى تمويليُبنى المشروعيُولّدأرباحًاتُعاد استثمارهاوتدخل ضرائبها إلى الدولة» .

هذه هي المعادلة التي أنقذت الاقتصاد المصري من عبء التمويل التقليدي، وجعلت المشروع أحد أهم نقاطالقوة الاستراتيجية في رؤية مصر 2030.

خامسًا: العاصمة ليست عبئًابل كنزًا للمستقبل

إن من يتحدث عن “ديون العاصمة” لم يقرأ الأرقام، ولم يرَ الصورة الكاملة ، فالعاصمة الإدارية لم تكن رفاهية،بل ضرورة وطنية واقتصادية لتحديث إدارة الدولة وبناء بنية تحتية حديثة للأجيال القادمة، إنها مدينة ولدت من فكر مصري، وموّلت نفسها بإيراداتها، وخلقت فرصًا لأبنائها، وستبقى رمزًا لاقتصادٍ منتجٍ لا يعتمدعلى القروض بل على العقول.

وأخيرًا ،،

إن العاصمة الإدارية ليست مشروعًا للحكومةبل مشروع لمصر كلهاللدولة، وللمواطن، وللأجيال القادمة.

مقالات مرتبطة

د.أحمد الزلاط يكتب : شرق بورسعيد.. شريان اقتصادي جديد ومنصة لوجستية عالمية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »